يملك النظام الإيراني تاريخاً في التملص من الاتفاقات، ما يجعل التزامه بما اتفق عليه مع الدول الكبرى (مجموعة 5 + 1)، أمس في جنيف، محل شك كبير.
لقد اعتادت السلطة في إيران على المماطلة وعلى إضاعة الأوقات وهي التي خرجت على اتفاق باريس قبل عشر سنوات بعد أن كانت تعهدت به «طواعيةً» بحسب تعبيرها آنذاك.
وفي جنيف أمس، أعاد التاريخ نفسه بالإعلان عن اتفاقٍ استخدم نفس العبارة التي طالما أصرت عليها حكومة طهران وهي «التنازل طواعيةً» لتبدو وكأنها خرجت منتصرة ولتتمكن من تسويق هذه «الصفقة» داخلياً.
ولعل الغرب يدرك حقيقة المماطلات الإيرانية، ما دفعه إلى تغليف تفاؤله الذي أعقب توقيع اتفاقية أمس بالحذر، وقد بدا هذا واضحاً في تصريحات وزير الخارجية الأمريكي حين قال إن «عيوننا ستظل مفتوحة» لمراقبة مدى التزام الإيرانيين بما اتُفِقَ عليه.
ولا يعفي هذا الحذر الإدارة الأمريكية من خطأ الاندفاع لضم طهران إلى تحركٍ لإعادة رسم سياسات أمريكا تجاه المنطقة.. بكل تأكيد ستتحمل واشنطن جزءاً من أي تبعات سلبية لهذه الصفقة التي ينبغي التمهل قبل نعتها بـ «الإنجاز»
هذا عن الغرب، أما الشرق الأوسط فينظر إلى الاتفاق بحذر أيضاً خشية أن تكون طهران قدمت تنازلات في الملف النووي مقابل مزيد من إطلاق يدها في المنطقة أو مقابل الحصول على امتيازات في الصراع السوري، فلا ينبغي أن تكون قضية السوريين محل مساومة.
لقد ضحت الإدارة الأمريكية بقرار معاقبة بشار الأسد على استخدام الكيماوي في غوطة دمشق في مقابل تحسين علاقتها بنظيرتها الروسية، وخدمة للمصالح الأمريكية التي ربما كانت إنجاز هذا الاتفاق مع طهران، وهو ما يثير شكوكاً حول إمكانية تكرار السيناريو الآن، بمعنى التضحية بما تبقى من قضية سوريا في مقابل إبرام اتفاق مع إيران ينهي عقوداً من العلاقة المتوترة بين واشنطن وطهران.
وإذا ثبُتَ حدوث هذا فإنه سيمثل إعلاناً من القوى الكبرى في العالم عن انتهاء صلاحية المجتمع الدولي وتخليه تماماً عن دوره.
لا يتمنى أحد أن يتحول اتفاق جنيف بشأن نووي إيران إلى فرصة لمنح طهران تسهيلات تواصل بموجبها التدخل في شؤون دول المنطقة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٢٢) صفحة (١٣) بتاريخ (٢٥-١١-٢٠١٣)