تسلك الكتائب المقاتلة داخل الأرض السورية مساراً يختلف تماماً عن المسار السياسي المتمثل في جنيف2- لقناعتها بأن نظام بشار الأسد لا ولن يحترم المعاهدات، ولأن معطيات الميدان -خصوصاً خلال الأيام الأخيرة- تفيد بإحراز المعارضة تقدماً لافتاً ومفاجئاً، ما يعني أن الخيار الثوري العسكري مازال قادراً على تحقيق انتصارات ميدانية وتوجيه ضربات قوية لسلطة القمع في دمشق.
وتبدو الكتائب المقاتلة على قناعة بأن عملية جنيف لن تخرج بنتائج إيجابية، لذا فهم ليسوا معنيين بها من الآن، ويعني هذا أنه حتى إذا قررت المعارضة السياسية، ممثلةً بالأساس في الائتلاف السوري، الذهاب إلى جنيف، وأبرمت أية اتفاقات فلن تتمكن من تنفيذها على الأرض.
إنها حالة أشبه بالانفصام أصابت الصراع السوري، ومردُّها إصرار نظام الأسد على الازدواجية وعدم الربط بين أقواله «تعهده بالذهاب إلى جنيف» وأفعاله «رفض وقف إطلاق النار خلال المؤتمر»، ويوحي هذا الانفصام بعدم جديته، وهي إشارة التقطتها المعارضة في الداخل مبكراً فقررت ألا تشارك في هذا المسار لكي لا تمنح تصرفات النظام شرعية.
الأكيد أن هذا الانفصام في الصراع سيقلل من قيمة مسار الحل السياسي؛ لأن أدوات التنفيذ لها قناعات أخرى وهي ماضيةٌ بغرض إنفاذها ولا تلزم نفسها بأي أطروحات أخرى، أي أنها رفعت الحرج عن نفسها مقدماً.
وهنا ينبغي القول إن أحد أسباب وصول الصراع إلى هذه المرحلة اهتمام بعض القوى العالمية بعقد المؤتمر باعتباره الحل الأوحد دون التركيز على تهيئة الظروف التي تقوده إلى النجاح، لقد رضِيت هذه القوى بمشاركة الأسد في المسار السياسي دون إلزامه بوقف إطلاق النار على طرفٍ يُفترَض أنه قرر الدخول في حوار مع ممثلين عنه.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٢٤) صفحة (١٣) بتاريخ (٢٧-١١-٢٠١٣)