كتابة المقال سواء اليومي أو الأسبوعي تحتاج من الكاتب إلى تركيز عالٍ في صياغة المقال وحبكته حتى يصل القراء إلى فكرة المقال وموقف الكاتب من الموضوع أو القضية، هناك من يعتقد أن كتابة المقالات من الشيء السهل واليسير، وهو يقرأ المقال في غضون دقائق ثم ينتقد الكاتب بأبسط الملاحظات، ولم يدرك أن هذا المقال أخذ وقتاً كافياً من الكاتب كي يقدمه للقراء، وأنه ربما أعاده عدة مرات، وربما أخّره فترات حتى تنضج فكرته ويقدمه بالشكل المأمول.
الالتزام بالكتابة وخاصة أصحاب الأعمدة اليومية ضرب من ضروب المشقة على الكاتب، لأنه يحتاج إلى تركيز ذهني عالٍ في ما هو متخصص فيه سواء في الشأن الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي أو الرياضي ومتابعة مستمرة لمجريات الأحداث حتى يستطيع أن يكتب ما يريد أن يوصله للقراء والمتابعين له.
والكتاب في السابق كان لهم ثقلهم الكبير على جميع الأصعدة، ولهم تأثيرهم الاجتماعي والسياسي، والجميع كان يخشى سطوة أقلامهم، ويعود ذلك بسبب الاحتكار بما يسمى الإعلام التقليدي أو (القديم)، أما بعد انتشار الإعلام الجديد، والصحف الإلكترونية قلَّ وهج الكاتب كثيراً ولم يعد ذلك القوة الضاربة الذي يخشاه الناس، إنما أصبح هناك منافسة كبيرة للكتاب القدماء وغيرهم من قبل الشباب أو من الذين لم تتح لهم الفرصة بالظهور عبر الصحف، فأصبحنا نقرأ لهم مقالات ونقدا وأفكارا وتعبيرا عن الذات من خلال صحفهم الخاصة وأخص بذلك «تويتر» أو الـ «فيسبوك»، وغيرهما من وسائط التواصل الاجتماعي أو ما يسمى (الإعلام الجديد)، وهذا هو ما غيّر المعادلة القديمة برمتها، الذي كان يهيمن عليها الجيل القديم بسطوتهم وتوجهاتهم الفكرية.
إذاً من وجهة نظري خف وهج كتاب المقالات عن السابق كثيرا، وأصبحت متابعة وقراءة الصحف والمجلات في العد التنازلي، وربما نشاهد بعد فترة توقف هذه الصحف والمجلات عن الطباعة والاكتفاء بالصحف الإلكترونية.
إن أي تقدم على المستوى الإنساني لابد أن يحدث تغييراً في مجرى الحياة فكما كانت الصحف في الماضي هي المحرك الرئيس للأخبار والمعلومات، أصبح الآن الإعلام الجديد هو الذي ينقل الناس نقلة نوعية وكبيرة وغيَّر في ذهنية كثيرين أشياء لعلها تكون مفيدة على المستوى الشخصي والاجتماعي.
كتاب الرأي وغيرهم بحاجة إلى مسايرة الزمن وإتقان ما يخص الإعلام الجديد من تقنيات حديثة وغيرها، ولابد أن يتفاعلوا مع هذه التقنية الجديدة بكل أشكالها وأبعادها حتى يكونوا حاضرين مع الجميع، وأتذكر ذات يوم وأنا أتحدث مع أحد الزملاء من الجيل القديم الذي له وهج قوي في السابق ومازال، أنني سألته متى استخدمت «تويتر»؟ فقال: منذ سنتين – أي عام 2011م –، ويقول كنت متردداً كثيراً أن أدخل «تويتر» لأنه ليس لدي خبرة فيه، ولكن بإلحاح من حولي وافقت على مضض، وتم إنشاء حساب لي في «تويتر». يقول: لم أكن أتصور بأن هذه الوسائط ذات فائدة كبيرة وخاصة بيني وبين الآخرين، فقد أصبحت أتواصل مع زملاء داخل المملكة وخارجها عبر «تويتر» وأبعث لهم المعلومات وأجيب على أسئلتهم من خلال هذه الوسيطة الجميلة، ومن أجل ذلك فإن هذه الوسيطة أتاحت للأغلبية بأن يكونوا كتاباً في الوسائل المتاحة لهم مما أثر ذلك على المشهد النخبوي كثيراً ببروز أصوات شابة من الجنسين قللت حاجتنا إلى بعض كتاب الرأي.
ختاماً قد لا أكون قاسيا على زملائي كتاب الرأي ولكن هذه الحقيقة التي نستشعر بها الآن، فحري بنا أن نوفر جهدنا في كتابة مقالات أصبحت في الوقت الحاضر محدودة الفائدة والتأثير كما كان في السابق، حيث هناك من سحب القراء والمتابعين إلى فضاء أكبر وأمتع دون التعرض إلى مقص الرقيب أو سلطة رقيب، ولعلي هنا اُذكّر نفسي وزملاء القلم أننا لن نستطيع أن نبقى في إطار الكتابة التقليدية في الوقت الذي تجري الأحداث والأوضاع بشكل متسارع وفي جميع الاتجاهات وهذا يتطلب منا التكيف مع طبيعة المرحلة الحالية التي أصبحت الكتابة فيها مسألة شاقة فكرياً ونفسياً، والقارئ في كثير من الأحيان يشترط أن تكون مواقف ورؤى الكاتب موافقة ومتطابقة مع رأيه، متناسيا ودون قصد أن القيمة الحقيقية في الحياة أن تبقى مسافات واختلافات بين الناس، ومن هذه التباينات تظهر الأفكار الخلاقة والإبداعية لأن الاختلاف أكثر إثراء من الرأي الواحد قطعاً، ومن هنا يمكن القول إننا ربما نعيش مرحلة فاصلة في مسيرة الإعلام ربما ينتج عنها تغيرات تتجاوز حدود وسائط ووسائل الإعلام إلى المتلقي، ولا نستغرب ذلك فقد بدأت مؤشرات ذلك عندما أتاحت مواقع التواصل الاجتماعي منصة إعلامية لكل شخص يتمكن من خلالها أن ينتقل إلى دور المصدر لقناعاته وأفكاره بدلا من استهلاك أفكار الآخرين كما هو الحال سابقاً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٢٧) صفحة (١٢) بتاريخ (٣٠-١١-٢٠١٣)