لم يمر اتفاق جنيف النووي بين إيران والدول الست الكبرى (5+1) داخل البرلمان الإيراني كما أراد وزير الخارجية محمد ظريف وطاقمه المفاوض، إنما واجه انتقادات مكثفة من المتشددين للدرجة التي وصف أحدهم الاتفاق بأنه «جرعة سم»، مستذكراً «كأس السم» التي أطلقها الإمام الخميني بإعلان موافقته على وقف إطلاق النار مع العراق في صيف العام 1988. ظريف، وهو العارف بميزان القوى الذي يميل لصالحه داخل البرلمان، رمى «عظماً» يتسلّى به المتشددون حين قال إن إيران كان بإمكانها أن تعقد اتفاقاً أفضل من الذي أبرم مع الدول الست. لكنه لم يترك لهم الملعب، فقد كان يقظاً لمحاولات اصطياده وجره إلى الزاوية الحرجة، فأفصح عن جزء من نقاط قوته التي يملكها بالقول إن المفاوضات جرت «بيقظة تامة وفي إطار توجيهات المرشد الأعلى»، دون أن ينسى تذكير البرلمان بأن الاتفاق عبارة عن حزمة واحدة ولا يمكن تطبيق بند والتخلف عن الآخر، وإذا حدث سيسقط كامل الاتفاق.
ربما تكون اللهجة الواثقة التي تحدث بها ظريف أمام البرلمان تشير إلى ما هو أبعد من الاتفاق التقني- الاقتصادي الذي تم التوقيع عليه في جنيف يوم 25 نوفمبر. فالشق السياسي وعلاقات إيران بجيرانها في المنطقة قد يكون الجزء الآخر من الاتفاق، لكنه الجزء غير المعلن.. فثمة اتفاق أو تفاهمات على ترطيب العلاقات ورسم خارطة طريق جديدة تبرد الساحة الإقليمية المتوترة والمثقلة بالأزمات المتناسلة منذ عدة عقود. المتشددون لا يفكرون أبعد من مصالحهم الضيقة، بينما ظريف ومن خلفه بلدوزر الرئيس القادم لانتشال إيران من الوضع الاقتصادي المتردي، يعرف ماذا يفعل، في هذه اللحظة التاريخية على الأقل. لذلك استثمر الاتفاق بسرعة فشرع أبواب طهران لأطراف لاتزال تناصب النظام الإيراني الخصومة في عدة جبهات مشتعلة. تجاوبت عديد من العواصم الإقليمية مع التطورات الجديدة، فشرعت إلى إحداث ثغرة في جدار العلاقات «المجمدة» أو المرتبكة مع طهران، وأولى هذه الاختراقات كانت لوزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو إلى طهران، التقى خلالها المرشد الأعلى السيد علي خامنئي والرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني ووزير خارجيته ليصدروا نداءً مشتركاً بضرورة وقف الاقتتال في سوريا والجنوح إلى حلّ الأزمة عبر المفاوضات التي تتهيأ لها جنيف نهاية يناير المقبل. وقد ترجمت الزيارة بتسييح جليد التوتر والشروع في بوادر التعاون التركي- الإيراني لحلّ الأزمة بعد حالة الاستنزاف المرهقة للجميع والمدمرة لسورية.
ولأن الإمارات معنية بالعلاقات مع إيران، خصوصاً أن الأخيرة لاتزال تحتلّ الجزر الإماراتية الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى)، لكنها تمتلك في نفس الوقت علاقات اقتصادية وتجارية مهمة للجانبين، نظراً لحجم الاستثمارات الإيرانية الضخمة الموجودة في الإمارات التي تقدر بنحو 300 مليار دولار أمريكي، تسيرها أكثر من ثمانية آلاف شركة، وأكثر من 200 ألف مواطن إيراني يعيشون في مختلف الإمارات السبع، لذلك جاءت الخطوة الثانية من المنطقة متمثلة في زيارة وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان إلى طهران بهدف فتح صفحة جديدة قوامها احترام سيادة الدول، والبحث في كيفية الخروج من مأزق العقوبات المفروضة على إيران وانعكاس ذلك على التجارة بين الجانبين، خصوصاً أن دبي التي تشكّل حلقة الوصل الكبرى تعتمد في تجارة إعادة تصدير السلع والبضائع على إيران بنسبة كبيرة يقدرها بعضهم بنحو 60 % قبل بدء الحصار الاقتصادي، ومنع إيران ومواطنيها من التحويلات المالية من وإلى أي بلد أو مصرف. وقد حث الخبراء النفطيون والتجاريون على استثمار اتفاق جنيف، «الذي ستكون انعكاساته إيجابية بشكل عميق على إمارة دبي، التي خسرت 80 % من التبادل التجاري مع إيران بسبب العقوبات، وبالتالي ستكون هي أكبر وأول المستفيدين من هذا الانتعاش بحكم القرب الجغرافي ومرونة اقتصادها القادر على استيعاب النشاط التجاري الكبير مع إيران مجدداً»، حسب قول الخبير النفطي كامل الحرمي.
وكانت أولى نتائج هذه الزيارة السعي إلى تشكيل لجنة اقتصادية مشتركة بين إيران والإمارات هدفها إعادة ما دمرته العقوبات، بل ومضاعفة التجارة بين الجانبين، حسب الدعوة الإماراتية.
الإشارة الثالثة جاءت من الحكومة البحرينية التي سارعت إلى دعوة إيران لحضور مؤتمر حوار المنامة المزمع عقده في السادس من ديسمبر الجاري، وهو مؤتمر دولي ذو أبعاد أمنية وعسكرية وسياسية، الأمر الذي يقود إلى فهم أن المنامة التي توجه اتهامات لطهران بالتدخل في شؤونها الداخلية، قد بدأت في تذويب الجليد مع طهران استعداداً لمرحلة ما بعد تنفيذ اتفاق جنيف النووي واتفاق جنيف 2 حول الأزمة السورية، أي إعادة تموضع الأطراف وصياغة التحالفات الجديدة في منطقة يبدو أنها مقبلة على تغييرات كبرى ربما تؤدي إلى خلق وقائع جديدة من شأنها تبريد بعض الساحات المحلية، اقتصادياً وأمنياً على الأقل.
ربما لا يكون العراق جزءاً من هذه الإشارات بسبب طبيعة العلاقة الحميمية مع إيران، بيد أن الوضع الأمني الداخلي المتدهور يحتاج إلى جهود إقليمية لتبريده، ولعل اللقاء التركي الإيراني يسهم في توقيف الموت العبثي الذي تمارسه فرق الموت في أغلب أنحاء العراق، وقد رشحت أنباء عن تفاهم بين طهران وأنقرة على أن تقوم الأخيرة بالتحرك لتخفيف هذا التوتر لدى الفصائل التي تمتلك الأخيرة علاقات معها وتأثيرات عليها.
هذه المعطيات تقدم مؤشرات جدية على أن طهران سوف تشهد مزيداً من الزيارات والاجتماعات خلال الفترة القليلة المقبلة، إما أن تكون زيارات استطلاعية لما تنوي القيام به بعد الاتفاق الأولي مع الغرب في الجانب النووي، أو زيارات تعيد وصل ما انقطع من علاقات والبحث عن مواطن استثمار قد تفرزها المعطيات الجديدة خلال الأشهر القليلة المقبلة، خصوصاً بعد أن يتأكد المجتمع الدولي من التنفيذ الكامل للاتفاق الذي يعتبره متشددو البرلمان الإيراني أنه جرعة سم لا يمكن الموافقة على تناولها، بينما تجده إدارة الرئيس روحاني الفرصة الأخيرة لإعادة إيران إلى السكة الصحيحة وتحقيق النتائج المرجوة على الصعيد الداخلي في الحد الأدنى.
وانطلاقاً من توجهات التهدئة وفي مقدمها ترطيب العلاقات مع دول الجوار، بدأ وزير الخارجية الإيراني محمد ظريف جولة خليجية تشمل كلاً من الكويت وسلطنة عمان، يلتقي خلالها مع كبار المسؤولين في البلدين الخليجيين، فيما بدأت طهران تقليص برنامجها المباشر الذي تستضيف فيه يومياً على مدار الساعة عناصر من المعارضة البحرينية، وقررت تحويله من مباشر إلى مسجل ولمدة نصف ساعة، ما يؤشر إلى بعد سياسي في النشاط المحموم في المنطقة.
أما على المستوى الدولي، فإن الشركات النفطية العالمية، ورغم علمها أن رفع العقوبات هو جزئي في الاتفاق الأولي الذي يستمر ستة أشهر، إلا أنها تعد العدة لدخول السوق الإيرانية وتتنافس على السوق الإيرانية التي هي بحاجة إلى كل شيء تقريباً، وتحديداً في قطاع النفط والغاز. فدول الاتحاد الأوروبي التي قادت المباحثات إلى جانب الولايات المتحدة مع إيران، تواجه اقتصاداتها صعوبات كبرى أدّت ببعضها إلى الإفلاس كما هو الحال مع اليونان، وإلى انكماش الاقتصادات وبروز أزمات معيشية ومالية مع أغلب دول الاتحاد الأوروبي وخصوصاً تفاقم أزمة البطالة والعجز في الموازنات العامة، الأمر الذي يجعل عملية دخول السوق الإيراني فرصة مهمة قد لا تعوض واستثمارها سيسهم في تخفيف حدة تلك الأزمات. كما أن الولايات المتحدة التي تعاني من نتائج الدين الفيدرالي الذي تخطى حاجز 16 تريليون دولار، هي الأخرى لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي إزاء فرص مليارية، خصوصاً في قطاع الطاقة، حيث سبق أن أعلنت إيران أنها ستستثمر 250 مليار دولار في قطاع الطاقة وحده، وهو مبلغ يسيل له لعاب الشركات الغربية.
تنظر طهران إلى اتفاقها الأولي مع الغرب بأنه فرصة تاريخية لتأكيد وجودها بثقل رئيسي إقليمياً، وقد حصلت على جزء مهم من ذلك، فضلاً عن الدور السياسي الذي تلعبه راهناً، وهو دور مرشح أن يشهد تنامياً في قادم الأيام، ما يضع الإقليم أمام معادلات جديدة من شأنها تأسيس مرحلة أخرى من العلاقات بين دوله، قادرة على لجم الاندفاعة الراهنة نحو الحلول الأمنية والعسكرية التي تأكد أنها لا يمكن أن توصل إلى نتائج إيجابية، بل على العكس ستزيد الوضع تردياً.
التحدي الراهن لدول المنطقة يمكن تكثيفه في مدى قدرتها على التعايش بطريقة تحفظ الحقوق، حتى وإن تبدى أن التزاحم لزيارة طهران، هو عنوان اللحظة الحالية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٢٩) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٢-١٢-٢٠١٣)