رأس تنورة، كما سمَّتْها شركة «أرامكو» السعودية، أو «رحيمة»، كما سُمِّيتْ منذُ نشوئها، مدينة ترقد في أحضان أكبر مصنع نفطي في العالم، بل يتربع ذلك العملاق على صدرها، ملقياً بقبحه على وجهها، مرسلاً حسنه بعيداً عنها، أَبَعْدَ هذا عقوق؟
غبتُ عنها طويلاً، قبل أن أعود إليها هذا الأسبوع، لأجدها، كما غادرتها، منذ زمن بعيد، مدينة متهالكة، ما عدا الأجزاء التي تتبع شركة «أرامكو» السعودية، هل قلتُ مدينة؟ بل، شبه مدينة، تكاد تنعدم فيها البُنْية التحيّة، فترى مياه الصرف الصحي تذرع شوارعها «الجرباء»، تشمّ الغاز، يحاصرها من كل صوب، ليس لها إلا مدخل واحد، مع حاجتها إلى مخرج آخر، في الحالات الطارئة، لا سمح الله، لم تعوّض، ولو بشيءٍ واحدٍ، مقابل ما أُخِذَ منها، حتى لو كان ذلك ببضع شجيرات، كي ترتفع، بها، نسبة «الأكسجين»، مقارنة بالغازات الأخرى، التي تنفثها المداخن، في سمائها وعلى قاطنيها، مسببة متاعب جمّة، ومشكلات صحية، لغالبية السكان، أقلها مرض «الربو»، الذي فتك بكبار السن والأطفال.
أيتّها الـ «أرامكو» العملاقة، أيتّها الفضلى بين مثيلاتها، لكِ أيادٍ طُولى في خدمة المجتمع، وأنتِ رحيمة، إلا على «رحيمة»، تلك البقعة الغالية من الوطن.
«رحيمة»، أو «رأس تنورة»، كما أسميتِها، يا عزيزتي، بعد النفط، لا تستحق منكِ كل هذا العقوق، صدرٌ يرضعه مصنعكِ الأكبر، لا أراه يستحق منكِ، إلا شيئاً من التطوير، وقليلاً من التجميل، إن تكرّمتِ، على موقعٍ، من مواقع الخير، في بلادنا المعطاءة!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٣٠) صفحة (١٤) بتاريخ (٠٣-١٢-٢٠١٣)