تعكس بيانات منظمة الشفافية الدولية تقدماً سعودياً في مجال مكافحة الفساد وإقرار الشفافية؛ حيث قفزت المملكة ثلاثة مراكز في مؤشر الأقل فساداً كما ارتفع ترتيبها على مؤشر مقاومة الفساد.
ويرجع هذا التطور الإيجابي إلى تنامي ثقافة مكافحة الفساد داخل المملكة واستتباب الأمن فيها وتمتعها باستقرارٍ سياسي لافت.
في المقابل تربط المنظمة بين تفشي الفساد وعدم الاستقرار السياسي، هذه الدلالة نقرأها حينما نعرف أن دولاً كسوريا وليبيا واليمن والسودان وجنوب السودان والعراق ومالي دخلت في قائمة الدول الأكثر فساداً على مستوى العالم، بحسب بيانات المنظمة.
الاستنتاج هو أن التوترات السياسية والنزاعات العسكرية تزيد من حجم الفساد سواءً بصفة مباشرة أو غير مباشرة، والدول الأكثر فساداً في العالم هي غالباً الدول الأكثر فقراً، والمتضرر الأول هم الأقل ثراءً فالفساد يطال الفقراء خاصةً.
ولن تتخلص هذه الدول من الفقر لو لم تكافح الفساد، وهو أمر بالغ الصعوبة؛ لأن الفساد يصيب دوماً أجهزة الشرطة والقضاء والخدمات العامة والأحزاب السياسية، وبالتالي تكون مواجهة هذه الشبكة من المصالح أمراً ليس بالهيِّن، إن درجة مقاومة الإصلاح حينها تكون كبيرة.
وبالعودة إلى دول الربيع العربي التي وجدت نفسها في قائمة الأكثر فساداً هذا العام، نلحظ أن ارتفاع معدل الفساد في سوريا وليبيا ترافق مع سمةٍ محددة وهي تفكك الدولة وضعف الحكومة، ولذلك يلجأ الناس تلقائياً إلى جميع الوسائل لتأمين الخدمات والأمن، في الوقت الذي تخوض فيه الكيانات الفاسدة حرباً ضروساً لتأمين مصالحها والتهرب من المساءلة.
إن الثورات التي اندلعت في عددٍ من دول المنطقة رفعت شعار التخلص من الفساد وتطبيق الشفافية، إلا أن تعثرها ومقاومة الفساد لها زاد من نسبة عدم الشفافية، ما يجعل هذه البلدان مهددة إذا استمرت أحوالها في التدهور، وإذا لم يقدم مشروع الربيع العربي رؤية واضحة لمعالجة هذه القضية.
يبقى القول إنه من المستحيل تقديم قياسات دقيقة لدرجة الفساد على مستوى العالم؛ لأنه يُمارس خلسةً وبطرقٍ غير شرعية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٣١) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٤-١٢-٢٠١٣)