الإنسان بما منحه الله من قدرات عقلية فائقة يستطيع أن يفكر، يخطط، يبني معلومات، ينتج معرفة، يتفاعل مع الحضارات، يستثمر المصادر الطبيعية، يتصالح مع الآخرين، يكرس الحوار المفيد، يدعو للتسامح، وكل ذلك يمكن أن يتحقق بشرط توفر مساحة واسعة من الحرية المنضبطة، والمناخ العلمي والثقافي والتربوي والإبداعي.
ولا يمكن أن تتحقق التنمية في مجتمع تطغى عليه الخرافات والأوهام والأحلام الزائفة، فالتنمية مرتبطة بالإنسان الذي يُعد الأساس في البناء المعرفي والحضاري، والتنمية ليست وليدة وقت محدَّد فهي عملية متراكمة حيث تتمازج وتتناغم الخبرات السابقة مع خبرات الأجيال الحاضرة في بوتقة واحدة لتتولَّد معطيات جديدة وتحدث تغيرات في فكر الفرد والمجتمع، وكل ذلك بهدف التحسين للحالة الاقتصادية والاجتماعية والحضارية والثقافية والعلمية وصولاً إلى مكانة مرموقة وتطور ملحوظ، فالتنمية تستهدف بالدرجة الأولى التغّير في الفكر البشري تغلبا على المشكلات، وإشباعاً للحاجات الإنسانية.
ولا يمكن أن تتنامى التنمية دون أذرع قوية تساعدها في النهوض وتشد من أزرها، وتُسرع في تطويرها، ويأتي الإعلام في الطليعة، لذا لجأت الدول المتقدمة إلى الاستفادة القصوى من الإعلام المتمرس الممنهج المخطط له في التغلب على المشكلات ونشر المعرفة والمساعدة في توحيد الاتجاه بين الأفراد والجماعات نحو هدف يخدم المصلحة العامة.
لذا ينبغي التخطيط الإعلامي المدروس لمساعدة الأفراد في اكتشاف قدراتهم وإمكاناتهم واستثمار الثروات الموجودة والاهتمام بتحسين أوضاعهم ولا يتم إلا بإعلام صادق ونزيه وشفاف وواعٍ بتقديم حقائق ومعلومات وأرقام تساعد المعنيين في التخطيط النهوض بالتنمية.
وحتى يتمكن الإعلام من القيام بدوره الحساس والحيوي ويضطلع بمسؤولياته الكبيرة فلابد من الاهتمام بشيئين هما التعليم الناهض والتدريب المتقن لتستفيد كافة شرائح المجتمع دون استثناء، ويساعد أيضاً في ربط أفكار الأفراد وتصوراتهم واعتقاداتهم في منظومة متكاملة مع مراعاة المتغيرات النفسية والاجتماعية والثقافية، ويستدعي ذلك تحديد الاحتياجات والمشكلات وإخضاعهما للبحث العلمي باختيار الحلول المناسبة لعلاجها.
ولما كان الإعلام في الآونة الأخيرة يتنامى بوجود وسائل جديدة لم تكن متوفرة في السابق فإن التخطيط ينبغي أن يتناسب مع وسائل الاتصال الحديثة لأنه – أي الإعلام – أصبح المؤثر الأقوى والأسرع مع مراعاة اختلاف وظائف كل وسيلة عن الأخرى. وهنا يأتي دور التخطيط السليم لفهم المجتمع وقدراته وإمكاناته واتجاهاته، فلا يعني أن يقوم الإعلام بالتوجيه والإرشاد المباشرين المملين، بل بحتمية الإلمام بالجوانب النفسية والمجتمعية والثقافية والتداخل الحضاري بين المجتمعات والظروف الاقتصادية والتحديات السياسية لتصل إلى الهدف المنشود، وهو إحداث تغيرات إيجابية في اتجاهات الناس واستثمار وسائل التقنية الحديثة وتحسين مفاهيم الاستهلاك والتغلب على العادات السيئة لنصل إلى نقطة محورية في كون الإعلام له دوره المهم في صياغة الرأي العام وتشكيله إزاء القضايا التنموية. متى وُظف بالطريقة الصحيحة بعيدا عن الإملاءات والرغبات.
ويأتي الملتقى الإعلامي الذي انعقد مؤخراً في منطقة الباحة كخطوة مهمة ابتدرها سمو أمير المنطقة الأمير مشاري بن سعود، وسانده وكيل الإمارة الدكتور حامد الشمري وساعد في إنجاحه عدد من الشباب الطليعي، استشرافاً لمستقبل مضيء بهدف استثمار وتوظيف الإعلام ليقوم بدوره المنوط به بتحقيق حزمة من الأهداف كتطوير مهارات الإعلاميين مع استقطاب فئات من أفراد المجتمع للعمل بصناعة الإعلام للقيام بالتعريف بمنطقة الباحة كواحدة من المناطق السياحية، وحين تنشط السياحة فإن ذلك يسهم في تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية.
وأظن أن المهمة تقع أيضاً على عاتق جامعة الباحة باستحداث قسم للصحافة والإعلام ليشارك في مناقشة وتحليل التحديات والقضايا التي تواجه التنمية في المنطقة وتوفير الكادر الإداري والإعلامي المتخصص والمؤهل للاضطلاع بالمهمة، والقادر على مواكبة المستجدات التقنية الحديثة والاستفادة منها، فضلاً عن إعطاء فرصة لتطوير قدرات الهواة من خلال الدورات الإعلامية، على اعتبار أن العمل الإعلامي يتكئ على نهج علمي.

فاصلة: بطء استجابة الناطقين الإعلاميين لما يحتاجه الصحفيون من معلومات سريعة عن الأحداث بهدف مواكبة الخبر، يزيد من اختلاق الأخبار غير الدقيقة وبالتالي تُنشر الأخبار المتناقضة التي تضر بالمجتمع. وهنا يتطلب الاختيار الدقيق للناطقين الإعلاميين مع أهمية تدريبهم ليكونوا على مستوى الحدث.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٣٦) صفحة (١٢) بتاريخ (٠٩-١٢-٢٠١٣)