• نصوصٌ تُنشر أسبوعياً، من «يوميات بيت هاينريش بول» التي كتبها الشاعر أثناء إقامته الأدبية، بمنحة من مؤسسة «هاينريش بول» في ألمانيا.

أكثر من حياةٍ.. أقل من موت

  • نَخْبُ الأبجدية

الكوخُ المرصوصُ بحجرِ البراكين
حيث القرونُ مرَّتْ من هنا
أخشابُه تقرأ الكتبَ
ومن قرميده يستعيدُ الغيمُ منسياته
ويستكشفُ سُبلاً تأخذ المسافرين
كل خشبةٍ طريقةٌ
كل حجرٍ كلام
حَتُّ الرملِ الذي يتحدَّرُ في غبارٍ
وفي تمائم
تاريخٌ مخبوءٌ في تجاعيدَ البيت
ينالُ المولعونَ منه حصةَ الأصدقاء
ويخطفُ الزائرون نَخبَ الأبجدية
ففي شذرات الكتابة
ثمة ما يذوبُ مع النصوص
وما يبقى في كِناسةِ الذهب.

  • عابرو سبيل

لسنا سوى عابري سبيل
في هذا الركنِ الكريم
حيثُ المسافةُ بين الحضورِ والغياب
أقلُّ من موتٍ وأكثرُ من حياة
يحتضنكَ البيتُ بأنخابِ العشق
وسرعان ما يعانقك في وداعٍ داهم
ما إن تدرك متى وصلتَ حتى تعرفَ أين تغادر
كأنما الحياةُ أقصرُ من العمر.
نفتح حقيبتنا لنختارَ الصوفَ للشتاء
ونضعَ المعطفَ الثقيلَ في الكتف النحيل
فيُقرعُ الجرسُ في صدر البيت
معلناً وصول العربة
وأوانَ الرحيل.
عابرو سبيلٍ نحنُ
لا نكاد نهنأ في الأشهر السريعةِ بهذا البيت
ولا تكفينا السنواتُ لتلقين درس الكتابة
فالوقتُ أسرعُ من الصوت
والكتابةُ أكثرُ بطئا من الحياة
عابرو سبيلٍ نحن
نأتي لـ «هاينريش بول»
في رشاقةِ الشريد
نقضي الوقتَ في ملاقاته
فيما يكون في الغياب
نشغفُ به
منشغلين عن التنفس
بالحلم والحياة.

  • حجرُ الشمس

حجرٌ في زاوية الدار
كلما لمستُه شبَّتِ الحرائقُ
ابتكرَته الشمسُ
وصدرتْ عنه المجرات
حجرٌ من جحيمٍ ومن جنةٍ
حوله تدورُ الكواكبُ ويلجأ إليه المفقودون
من أيِّ المحاجر جاءَ
وكيف صارتْ له أجنحةٌ
وكيف تحتمله الريح
ألمسُه ..
فيدبُّ فنارٌ به
تصطخبُ حوله الموجُ
يرصده الربابنة
وتقصده الأنواءُ والمراكب.
حجرُكَ الذي أسَّسْتَ الأرضَ به
جذره تحت بيتك
أضعُ رأسي عليه
فأسمعُ،
عينيَّ فأرى
وحين يذهب القلبُ إليه
ينتابني الرَوعُ
فتندلعُ اللغةُ في قرابينَ وفي لفائف.

  • سيمياء

المستطيلاتُ المحروثة التي من الهندسة
والمربعاتُ المحصودة التي في التجارة
والأحواضُ المزروعةُ لا تزال
متوازية في الجوار
شهوةُ الأرضِ فسقياتٍ غير مرئية
تبعثُ النحلَ والفراشات
في عرباتٍ من البريد الشفيف
تَصُوغُ للسهل مشهداً وطبيعة.
من شرفةِ الشمس
من معدنِ الذهبِ القرمزيِّ
يصعدُ الريش في فضةٍ
في اختلاجٍ خجولٍ
يؤلفُ ماءَ الطريق
مثل النداء البعيد
مثل النساء يطوِّرنَ عِلم الفِراسة
يحجلنَ في فرسٍ هاشلة
يصعد الريشُ في أجنحةٍ الطيش
يصعدُ
يصعدُ
والشمسُ في عرشها
والمستطيلاتُ في الحقل
للطير والسابلة.
بيتٌ
ويمشي على مهله
هودجاً هودجاً
كما هنَدسَ الله سهلاً
بأشكاله الماثلة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٤٥) صفحة (٢٠) بتاريخ (١٨-١٢-٢٠١٣)