عبد العزيز إبراهيم الحرقان - عضو مجلس الشورى وخبير في شؤون الابتكار

عبد العزيز إبراهيم الحرقان – عضو مجلس الشورى وخبير في شؤون الابتكار

شهدت المملكة مؤخراً عدة مناسبات وطنية كبرى تتعلق بالابتكار والاختراع. وتهدف هذه المناسبات إلى إبراز نشاطات وقدرات أبناء المملكة في الابتكار والاختراع. وحققت هذه المناسبات نجاحاً جماهيرياً كبيراً، واحتفلت بعدد من المبتكرين والمخترعين، ومنحت بعضهم جوائز مالية وعينية وتقديرية. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو «ماذا بعد؟».
أحد أهم أهداف هذه المهرجانات هو خلق الأنموذج المثالي، عندما تفوز سيدة سعودية أو رجل سعودي بجائزة في مهرجان ما، فإننا نعترف ونقدر جهود هذا الشخص، وقدراته، ومكافأته تعتبر رسالة شكر من المجتمع له على ما قام به من ابتكار لتطوير وتحسين حياة الناس وحل المشكلات التي يواجهونها. ونحن أيضاً نقول لشبابنا وبناتنا الآخرين كونوا مثل هذه السيدة أو هذا الرجل. ولكن لو زرنا هذا الفائز بعد عدة أيام لوجدنا هذه الجائزة تحولت إلى عبء، ومصدر إزعاج.
يفترض مَنْ يفوز اختراعه بجائزة أن ينتقل لمرحلة الإنتاج، وبناء المؤسسة القادرة على تطوير منتجات وخدمات تستغل حقوق براءة الاختراع، وأن يرى اختراعه يستخدم بين أيدي الناس، وأن يتحقق للمخترع عائد مالي جيد. ولكن لا نرى ذلك يتحقق للمخترعين والمبتكرين السعوديين سواء المحتفى بهم أم غيرهم.
لكي يرى الاختراع والابتكار النور فإن المخترع والمبتكر يحتاج لمجموعة من الخدمات، مثل تطوير قدراته الإدارية، وبناء الأنموذج الأولي للمنتج، تحسين المنتج ليكون متوافقاً مع متطلبات السوق والمستهلكين، وتقديم التمويل المناسب للمؤسسة الصغيرة الناشئة في مراحل نموها المختلفة.
في هذه المناسبات عادة يبرز المنظمون، والإعلاميون رقماً واحداً لنجاح المناسبة، وهو عدد الزوار. وهذا الرقم ليس مقياساً لمستوى نجاح المناسبة. المبتكرون والمخترعون لم يأتوا لهذه المناسبات ليكونوا فرجة للناس، بل جاءوا ليبحثوا عن ممول، ومستثمر، وجهة تدعم تنمية اختراعهم.
عدد قليل من المبتكرين والمخترعين استطاعوا دفع اختراعهم ليكون منتجاً مطروحاً في الأسواق بقدراتهم وبجهودهم وعلاقاتهم الشخصية، وقليل منهم حقق ذلك بدعم من مؤسسة حكومية أو غير حكومية. وكثير من هؤلاء المبتكرين لهم طاقة ذهنية وجسمانية هائلة في التفكير والتحليل لتطوير حلول للمشكلات التي يواجهها المجتمع، وهذه الطاقة هي التي تعطيهم القدرة على الاستمرار في الابتكار.
الزائر لهذه المناسبات يرى زهوراً تنمو في صحراء قاحلة، ستموت سريعاً، دون أن تجد من يقطف ثمارها. فهذه الزهور هي التي من المفترض أن تنمو وتكبر لتكون غابة الاقتصاد المعرفي الذي نتحدث عنه ليلاً ونهاراً. نحن نقيم المعارض للتصفيق للمبتكرين، وننفق الأموال الهائلة عليها، ثم نبخل عليهم ببضعة آلاف من الريـالات للاستثمار في ابتكاراتهم.
يزخر التاريخ الأمريكي بعدة نجاحات لمخترعين ومبتكرين أصبحوا أغنياء ورجال أعمال كباراً، أمثال «توماس أديسون» الذي نجح في إنشاء شركة تحولت فيما بعد إلى «جنرال إليكتريك» واحدة من أكبر الشركات العالمية العملاقة. و «ستيف جوبس» الذي أصبح مثالاً عالمياً بارزاً وأسس شركته «آبل» العالمية الرائدة.
الواضح من هذه المناسبات أن البيئة السعودية قادرة على دفع شبابنا وبناتنا على أن يكونوا مخترعين ومبتكرين، ولكنها غير قادرة على نقلهم للمرحلة التالية. توجد لدينا عديد من المؤسسات الداعمة للمخترعين والمبتكرين في المملكة، ولكنها تفتقر إلى أدوات مهمة لدعم المبتكرين، وبذلك فقد أصبحنا كمن يجمع المخترعين والمبتكرين في هذه المهرجانات ويدفع بهم نحو القمة، ويقدم لهم وهم المجد، وعندما يصلون إلى القمة يجدون بعدها هاوية سحيقة تنتحر فيها أفكارهم ومشاريعهم واختراعاتهم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٤٦) صفحة (١٦) بتاريخ (١٩-١٢-٢٠١٣)