قرأت تقريراً يُبيّن أن معظم رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية حين تنتهي مدة رئاستهم يعودون إلى أعمالهم ومهنهم الأساسية، المزارع يعود إلى مزرعته والسياسي والاقتصادي وغيرهما يرجعون إلى نشاطهم السابق. وهكذا لم يتأففوا بعودتهم لأعمالهم السابقة ولا يرون في ذلك انتقاصاً من مكانتهم رغم أنهم كانوا يديرون أكبر مؤسسة سياسية في العالم، الرئيس كارتر رجع لفلاحة محصول الفستق.. لأنه وغيره من زعماء أمريكا يرون أن من واجبهم الاستمرار في خدمة وطنهم من كل زاوية بحسب مؤهلاتهم وقدراتهم.
وقياساً على ذلك لا أدري كم من وزير لدينا رجع لسابق عمله؟ حاولت أن أجد معلومة من خلال محرك البحث فلم أجد، وأظن أن الوزير -أي وزير- لا يجد غضاضة في خدمة وطنه ومن أي موقع كان، إلا أن الشواهد لم تثبت أن وزيراً عاد إلى موقعه السابق، ولا أدري هل يوجد اختلاف بين ما كان عليه معالي الوزير من قيمة اجتماعية أثناء توليه هذا المنصب وبعد تخليه عن الوزارة أو إعفائه منها! يسوقنا هذا إلى أن الوزير سوف ينتظر الخدمة مثله مثل المواطن وربما يتبرم لو لم تصله الخدمة التي يحتاجها سواء مما كانت تحت إدارته أو غيرها، وربما يقيم الدنيا ولا يقعدها، كيف لمعالي الوزير أن يرضى لأبنائه الدراسة في مبانٍ مستأجرة تقع إلى جوار بيته، وهل يُسارع في علاج أحد أفراد أسرته في مركز الحي الذي يعيش فيه؟ وهل يُسر لو قاد سيارته في طريق غير مرصوف أو مضاء يوصل إلى منزله؟ وتبرمه نعتبره حقاً من حقوقه مثله مثل بقية المواطنين الذين يرفعون المعاريض طلباً والشكاوى إلحاحاً لخدمة يحتاجونها.
المفارقة الواضحة في كون بعض الوزراء لا ينظرون بشكل واضح لمطالب المواطنين ولا يتفحصون احتياجاتهم، على سبيل المثال مكث طريق الطائف – الباحة يحصد في أرواح المسافرين لسنوات طويلة.. ارتفعت نسبة الحوادث بسببه.. ترمل عديد من النساء.. وتيتم كثير من الأطفال، وحين وقف معالي الوزير ميدانياً على الطريق أعلن للملأ أن الطريق بريء مما يصفون، وأن المشكلة في سالكي الطريق وبقي معاليه مصدقاً لاعتقاده حتى جاءت البشرى بازدواجيته عندها انخفضت نسبة الحوادث بنسبة عالية، وبالتالي خفت كثير من المواجع. فنظرة الوزير وقتها لم تكن منصفة أبدا، ولو كان من عابري الطريق لربما أدرك معاناة الأهالي ولأيقن بأن الطريق لا يحقق طموحات الدولة. وحين يلح المواطن بضرورة توفير الخدمة التي يحتاجها فذلك لم يأت من ترف، وفي ذات الوقت لا يطلب المستحيل، وما وُجدت الوزارات والوزراء الأفاضل إلا لتحقيق هذه المطالب الضرورية، أما كون الوزارات تتقاعس عن أداء واجبها وتظهر منها بعض المتناقضات فذلك محير بالفعل!!
فالوزير الذي يشيد بالمدارس الحكومية ومخرجاتها في حين يدرس أبناؤه في مدارس أهلية؛ فتلك مسألة تحتاج لفك طلاسمها، والوزير الذي يدلق الكلام ويتحدث بإسهاب عن ارتفاع المستوى الصحي والعلاجي في مستشفياتنا الحكومية وهو يبادر بعلاج نفسه وأفراد أسرته في الخارج؛ فإن ذلك يدعو للدهشة، والوزير الذي لا يشعر بمعاناة المرضى الذين ينتظرون «واسطة» لنقلهم إلى مستشفيات أقدر علاجا وأفضل إمكانات؛ فتلك موجعة حد البكاء، والوزير الذي يعرف أن كثيراً من الأسر لا تتجاوز مداخيلها ثلاثة آلاف ريال مع كثرة أعداد أفرادها وارتفاع الأسعار فليجرب شهراً واحداً فقط بمستوى هذا الدخل، وأعتقد أن مبلغاً زهيداً كهذا لا يكفي تسديد فاتورة معاليه لشهر واحد، والوزير الذي يأتيه الماء «سحاً غدقاً» ولم يذق الاصطفاف وسط شمس حارقة وهواء يحمل غباراً مصحوباً بالكربون؛ فإن ذلك لا يجعله يستشعر تلك المعاناة، والوزير الذي يشاهد كثيراً من الشباب عاطلين عن العمل ويخرج بين الفينة والأخرى بأن الأمور «ماشية تمام»، وأن الخلل في الشباب أنفسهم يعني أن الرؤية لديه غير دقيقة، ألم أقل إن الوزير مواطن، بل هو مواطن غيور ويسعى للحصول على حقه كاملا غير منقوص وسيارة ثمينة ومزايا عالية، في حين تجد تقارير وزارته السنوية مليئة بالأرقام، وعند انتهاء العام المالي يتكشّف ضعف الأداء، وانخفاض نسبة الإنجاز، وعدم تحقق كامل الأهداف!! والمواطن يسأل أين تلك الميزانية الضخمة التي تعطيها الدولة للوزارات؟ والملك -حفظه الله ورعاه- يوصي في كل أحاديثه بأن على الوزراء معاملة المواطنين كأنهم هو، وأكد عليهم بضرورة استثمار الميزانية لصالح المواطن بما يحقق تنمية مستدامة. لكن المواطن تزداد دهشته بل امتعاضه حين يرى لغة الأرقام الضخمة ويرى جهود الوزارات أقل مما يجب، فلماذا لا تقوم «نزاهة» بمقارنة نسبة الإنجاز مع ما حدّدته الوزارة من أهداف؟ حينها يمكن للوزير الذي يكتفي بإطلاق التصريحات الرنانة وتكرارها في كل عام أن يتكشف أمر وزارته، عندها لا مناص بتركه المكان لمن يعمل ويتابع ويحرص ويطور وينجز ويتحسّس شعور المواطنين الذين تضخ الميزانية من أجل رفاهيتهم.
الوزارة تحتاج المخلصين على اعتبار أنها مداميك بناء للفعل التنموي، فمتى حققت كامل أهدافها كان البناء عالياً؟ يتناغم مع حرص القيادة وطموح وآمال المواطن.
ألم نقل إن الوزير مواطن.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٦٤) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٦-٠١-٢٠١٤)