كأنما كتب على العراق أن يعيش حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار وعزله عن محيطه العربي وتركه يعاني مصائبه المتناسلة منذ عقود طويلة. وهو يواجه اليوم واحدة من أخطر المراحل التي يمر بها، خصوصا منذ إسقاط النظام السابق ودخول البلاد في حقبة احتلال جديدة في العام 2003، وصدور دستور مفصل على مقاسات مناطقية وطائفية، ما أسس لاحتقانات كبرى نجد اليوم تجلياتها في محافظة الأنبار وخصوصا في الرمادي عاصمة المحافظة ومدينة الفلوجة، وفي التفجيرات المتنقلة في عديد من المناطق، فضلا عن الابتعاد المتواصل لإقليم كردستان عن الحكومة المركزية في بغداد وخصوصا إزاء تصدير النفط من شمال العراق إلى تركيا، حيث استفادت أنقرة من ضعف الحكومة المركزية لتعقد اتفاقيات مع الإقليم من وراء ظهر بغداد.
يتذكر كثيرون عندما كانت النيات قائمة لغزو العراق واحتلاله كيف تم الترويج لقوة الجيش العراقي واعتباره القوة الخامسة في العالم، وتم الادعاء بوجود أسلحة للدمار الشامل، تبين فيما بعد أنه لا وجود لكل هذه الادعاءات، لكن بعد أن تم احتلال البلاد وتمزيقها وضرب البنى التحتية ودخوله في حقبة جديدة بعد النظام الشمولي، أقل ما يقال عنها إنها حقبة المحاصصات الطائفية والعرقية وبصورة ممنهجة تنطلق من الدستور الذي يحتاج إلى إجماع القوى لكي يطور نحو تأصيل الدولة المدنية الديمقراطية، وإبعاد شبح الاحتراب الطائفي الذي يحاول بعضهم فرضه على العراقيين الذين لم يتعاملوا مع هذه الأمراض من قبل، بدليل أن أهالي بغداد وكربلاء استقبلوا النازحين من الأنبار دون النظر إلى انتماءاتهم القبلية أو الطائفية.
إذن فالقصة تتلخص في كيفية عزل العراق وتأصيل التفتيت وجعله أسير قضاياه الأمنية والسياسية وأزماته الاقتصادية والمعيشية وبطبع الحال إبعاده عن التأثير في محيطه العربي. فالعراق يعتبر واحدا من أكثر الدول العربية غنى في ثرواتها الطبيعية، من نفط ومياه طبيعية ممثلة في نهري دجلة والفرات وأراضٍ خصبة تمتد على مساحات شاسعة من الأراضي العراقية. وقد صدر العراق، حسب عديد من الإحصائيات 2.9 مليون برميل يومياً في 2013 بمتوسط سعر للبرميل يبلغ 103 دولارات للبرميل، وتصل قدرته الإنتاجية إلى 4 ملايين برميل يومياً، منها 400 ألف برميل تنتج من إقليم كردستان. وتخطط الحكومة إلى رفع الطاقة الإنتاجية من النفط إلى 8 ملايين برميل يومياً في العام 2017. هذا الأمر انعكس إيجابا على الموازنة العامة التي من المقرر لها في العام 2014 أن تصل إلى 150 مليار دولار، مقارنة بموازنة العام الماضي 2013 التي بلغت 118 مليار دولار، إذ تعتبر موازنة العام الحالي الأضخم في تاريخ موازنات العراق. وبحسبة بسيطة فإن دخل النفط للعام الماضي يحوم حول 100 مليار دولار، ما يعني وجود بحبوحة مالية قادرة على البدء في تطوير البنية التحتية المدمرة والمتواضعة بسبب الحروب المتعاقبة والحصار والفساد الإداري والمالي الذي يضرب أطنابه في مختلف الدوائر الرسمية باعتراف المسؤولين العراقيين الذين يحاولون التخفيف من وطأته من خلال الحديث عن إنهاء الأزمات الكبرى مثل أزمة الكهرباء التي كان مقررا لها أن تنتهي مع نهاية العام الماضي 2013، إلا أنها لا تزال قائمة، حيث دخلت البلاد في معركة مع تنظيم القاعدة وذراعه المحلية تنظيم «داعش».
ما يحدث في العراق اليوم هو امتداد لأزماته الداخلية والإقليمية. داخليا، يراد للعراق أن يتجزأ إلى ثلاث دويلات هشة تأكل بعضها بعضاً على طريقة دولة جنوب السودان بعد انفصالها من الدولة الأم السودان، واحدة في الجنوب وثانية في الوسط وأخرى في الشمال. وكان المخطط المرسوم للدول العربية الكبرى أن تكون العراق بداية المشروع التفتيتي، لكنه صمد أكثر من عشر سنوات موحدا رغم كل الأزمات السياسية بين مكونات الشعب، حيث لايزال هناك من يرجح كفة العقل في كل مكون وهو في دائرة صنع القرار، حتى جاء الربيع العربي الذي اعتبره بعض فرصة جديدة يمكن اقتناصها وخلط الأوراق فيها من جديد لإعادة تشكيل الخارطة السياسية والجغرافية للشرق الأوسط، بيد أن الأمور لم تسر كما يريد هذا البعض، رغم بعض النجاحات التي نلاحظها في سوريا، حيث حالة الاحتراب في أوجها والقتل العبثي بلغ مداه بين حلفاء الأمس، ما قد يؤسس لمرحلة أكثر قتامة بالنسبة للشعب السوري الذي يواجه مصيرا صعبا ينزع لتفتيت البلاد واقتسامها على أساس طائفي ومذهبي، وكأن سباقا يجري بين الدول العربية أيها يفتت أولا.
وإذا كان العراق يخوض اليوم حربا ضد القاعدة التي تمارس القتل بالانتحاريين والسيارات المفخخة في مختلف المناطق العراقية على أرضية القتل من أجل القتل والترويع، فإن هذه الحرب لن تكون نزهة وليست قصيرة أيضا. فتنظيم داعش ليس تنظيما محليا من إفرازات الحالة العراقية الصرفة، إنما هو جزء من تنظيم القاعدة الموجود إقليميا ودوليا، ويتلقى الجزء الأكبر من التعليمات من قيادة المركز ممثلة في أيمن الظواهري زعيم القاعدة، وبالتالي فإن الدعم لن يكون من بعض الأطراف العراقية لحرب داعش في الأنبار، إنما ستأتي من وراء الحدود المفتوحة التي تمتد لمئات الكيلومترات الممتدة على عدة حدود، وهو الأمر الذي يحتاج إلى جهد إقليمي غير اعتيادي للجم القتل المجاني وتوسيع رقعته إلى مواقع أخرى خارج العراق، ما يضع الفوضى الخلاقة على أرضية التنفيذ فيها.
إن أزمات العراق بحاجة إلى قرار واضح من النظام السياسي بكل مكوناته مفاده التمسك بوحدة البلاد أولا، ثم الالتفات الجدي إلى مسببات الأزمة القائمة التي أدت إلى التحاق عراقيين بتنظيم القاعدة لمحاربة السلطة المركزية والسعي إلى تشييد دويلة مذهبية وقودها آلاف العاطلين عن العمل وضحايا الفساد الإداري والمالي. كما أنه ليس من الحصافة تبسيط الأزمة على أنها مجموعات محاصرة في جغرافيا محددة، ذلك أن ما يجري من تفجيرات في مختلف المناطق تدحض هذا الزعم وتخرجه من معادلة الحصافة والتحليل الموضوعي وتدحرجه إلى خانة الترويج والعلاقات العامة.
ربما يحتاج العراق اليوم قراءة أخرى تختلف عن القراءات القائمة حاليًا، فلا يمكن القضاء على القاعدة في ظل تداعي الأزمات السياسية بين مكونات المجتمع العراقي، ليس حالة الرئيس الصحية إلا واحدة منها، بينما يبدو خط داعش مع سوريا لا يزال يعمل بطاقته القصوى، خصوصا بعد أن خسر التنظيم كثيرا من مواقعه في سوريا بعد أن انقلبت عليه التنظيمات التي تحالفت معه ضد قوات النظام السوري الذي يتفرج على اقتتال الإخوة الأعداء في عديد من المناطق السورية. وربما تكون «داعش» قد ضعفت في كل من العراق وسوريا، لكن أسباب بقائها لا تزال قائمة، الأمر الذي يفرض إعادة ترتيب البيت العراقي بطريقة غير تلك التي تولد أزمة جديدة مع كل حل يراد منه الاستقرار.

• كاتب ومحلل سياسي بحريني

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٦٨) صفحة (١٢) بتاريخ (١٠-٠١-٢٠١٤)