التفاؤل من الصفات الحميدة التي يجب أن يتحلى بها كل إنسان، وأن يصبح الشعور بالتفاؤل سلوكاً حياتياً نعايشه في كل صباح ومساء؛ فالإنسان المتفائل أكثر سعادة واستقراراً من الإنسان المتشائم، والمتفائل دائماً تجده هادئاً ومبتسماً، وصاحب طرح واقعي وشفاف، يحاول الابتعاد عن النقد الجارح الذي يضر الآخرين أو يجرحهم، فالرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم الذي هو قدوتنا كان من صفاته النبيلة «التفاؤل»؛ وكان يحب التفاؤل في كل أموره الحياتية وخصوصاً عندما اشتد عليه الأمر في مكة، وبدأ يستعد للهجرة إلى يثرب، حتى أثناء غزواته عليه الصلاة والسلام كان التفاؤل يلازمه دوماً، فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح»، وكذلك الأمل الذي ينبغي أن يلازم الإنسان طوال حياته في شبابه وهرمه؛ كثير منا تجده يأمل بطول البقاء، ويأمل بأشياء كثيرة، وقد روي عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن الأمل رحمة من الله لأمتي، ولولا الأمل ما أرضعت أم ولداً، ولا غرس غارس شجراً» فما أجمل الأمل الذي تعززه الثقة بالله! فقد ذكر الله عز وجل مواضع عديدة في كتابه العزيز عن الأمل والرجاء به، من خلال القصص التي وقعت لأنبيائه ورسله فهذا نبي الله يعقوب عليه السلام عندما اشتد به الحزن على فراق ابنه «يوسف» وأخيه «بنيامين» لم ييأس من رحمة الله، إنما كان متفائلاً بالله بأنه سوف يجدهما فأرسل أبناءه مرة أخرى للبحث عنهما يقول الله تعالى على لسان يعقوب «يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ» يوسف آية 87، وأيوب عليه السلام عندما ابتلي في فقد ماله وولده وصحته فدعا الله سبحانه وتعالى: «وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» الأنبياء آية 83، فاستجاب الله له وأرجع له صحته وكثر ماله ورزقه ذرية مرة أخرى: «فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ» الأنبياء آية 84، ولهذا تجد أغلب المربين والمدربين والمستشارين الأسريين ينصحون دائماً بأن يتحلى الإنسان بالتفاؤل والأمل، وأن يبتعد عن اليأس والقنوط والإحباط في الحياة؛ فالابتعاد عن التشاؤم واليأس يبعث في النفس الشعور بالسعادة والفرح والأمل.
إن ما دفعني إلى اختيار هذا العنوان للمقال والمقدمة السابقة عن التفاؤل والأمل هو كلام الأمير خالد الفيصل وزير التربية والتعليم الجديد عندما استقبل أمين عام مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني الأستاذ: فيصل بن معمر، حيث قال: «إن الشباب السعودي يمتلك إمكانات كبيرة، وقادر على المساهمة بإيجابية إن أحسنا توظيف قدراتهم وتوجيههم، ودعا مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني إلى تبني مشروع تشترك فيه وزارات: التعليم العالي، والثقافة، والإعلام، والرئاسة العامة لرعاية الشباب، بالإضافة إلى وزارة التربية والتعليم؛ لإبراز ثقافة التفاؤل والأمل بين أوساط الشباب» وذكر أيضاً «إن التربية على الحوار واحدة من المشاريع الوطنية» وبنى ذلك على تجربته في ملتقى الشباب في مكة المكرمة، الذي يحتضن اليوم أكثر من «600» ألف شاب وشابة، وكان الأمير خالد الفيصل يدير الحوار بين الشباب في ذلك الملتقى؛ حيث كان من أبرز نتائجه: نمو لغة الشباب والرقي في مستوى الحوار وأسلوبه، حيث سادت لغة التفاؤل والأمل، وانحسرت ثقافة الشكوى غير المبررة.
استهداف فئة الشباب بتنمية مداركهم وغرس الثقة في نفوسهم من خلال تخصيص مشاريع خاصة بهم أمر مطلوب، ولا بد منه؛ لأن فئة الشباب من الجنسين هم عماد المستقبل، وحماة الوطن، وهم السواعد التي سوف تبني هذا الوطن؛ فالاهتمام بهم من خلال المؤسسات والجهات ذات العلاقة بثقافة الحوار أو تطوير الذات أو المؤسسات المسؤولة عن التطوع وغيرها من المشاريع التي يجب أن تُفعّل حتى تستطيع تلك المؤسسات ملء أوقات الفراغ لدى الشباب بما يفيدهم وينفعهم في مستقبلهم ويسهم في بناء مداركهم وتقوية مهاراتهم.
مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني لديه من المشاريع الكثيرة التي تعنى بالشباب وخصوصاً مشروع «تمكين»، فالتعاون مع الجهات ذات العلاقة ولاسيما الجامعات ووزارة التربية والتعليم لتحديد مشاريع تعنى بثقافة الأمل والتفاؤل أمر في غاية الأهمية، ويمكن أن يتم ذلك إما عن طريق ورش عمل تعقد أو ندوات ولقاءات يشارك فيها نخبة مميزة ممن لهم خبرة في هذا المجال، ويطلق المشروع في جميع مناطق المملكة ومحافظاتها، وسوف نجني من تنفيذ مثل هذه المشاريع فوائد كثيرة على المستوى الوطني وبناء الفكر السليم والوسطي لدى شبابنا من خلال احتكاكهم بقامات ومفكرين ومشايخ وعلماء أثناء تنفيذ مثل هذه المشاريع، ويكون دور وزارة الثقافة والإعلام تخصيص أوقات مهمة لعرض مثل تلك المشاريع بصفة مستمرة عبر الفضائيات السعودية حتى تقوم بدورها على أفضل وأكمل وجه لنشر مثل هذه الثقافة الجميلة.
إن تكاتف الجهات وتضافر الجهود والمؤسسات عبر تبنيها تنفيذ مشاريع من خلال شركات متوافقة إنما يعزز تحقيق أهداف وطنية مشتركة، ويسهل على كل جهة القيام بدورها قياماً مميزاً من خلال تعاون تلك الجهات، فحري بمؤسساتنا الحكومية أن تنشط وتبدأ في التفاعل من خلال إقامة شراكات مع الجهات التي لها علاقة بأعمالها وتحقيق أهدافها.. وهنا يمكننا القول إن الالتفات إلى الشباب وإقرار مشاريع فكرية وتنموية لهم يشكل مدخلاً حقيقياً للاستفادة من جهودهم وقدراتهم في عملية التنمية الوطنية وأيضاً مثل هذه المشاريع تنمي في شبابنا الحس بالمسؤولية وتغرس في نفوسهم روح التفاؤل والأمل والعزيمة وتبعد عنهم شبح اليأس والقنوط والإحباط.
ختاما، نتطلع جميعاً أن نرى مشروعاً بين مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني ووزارة التربية والتعليم والوزارات المعنية يؤسس لمرحلة جديدة من العمل الوطني عمادها وعنوانها المشاركة الشبابية الفاعلة خدمة للوطن والإنسان في بلادنا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٦٩) صفحة (١٢) بتاريخ (١١-٠١-٢٠١٤)