لا يهمُّ المواطن السوري العادي إن عُقد مؤتمر جنيف 2 أو لم يعقد ما دام النصل يحتزُّ الرأس من الوريد إلى الوريد، ومن ثم يخضع لتقديرات الذين ينتظرون حز رؤوسهم ليقدِّروا وزن الرأس المقطوعة قبل أن تُرمى في الساحة يَلعب بها مَن يقال إنهم بشر تارة كرة قدم وتارة أخرى بيسبول على الطريقة الأمريكية. المواطن العربي العادي أيضاً، يستشعر السكين وهي تأكل في عروق رقبته بسبب الغرائز الحيوانية المضاعفة التي تحكم الفرق المتطرفة في سوريا.
في الأزمات والحروب يكثر المتاجرون بالأوطان وبالدم وبكل شيء، ويزداد السماسرة ومستحدثو النعمة الذين يبحثون لهم عن مكان سياسي أو مالي مستغلين صرخات الضحايا الذين تحوَّلوا إلى أرقام تشبه أرقام الذين ماتوا ويموتون في العراق، أو أولئك الذين يحفر لهم البحر في قيعانه قبوراً لأنهم لم يجدوا لقمة العيش الكريمة في بلدانهم فركبوا البحر و«من يركب البحر لا يخشى من الغرق» كما تقول السيدة فيروز، أو كأنهم يشبهون ضحايا النازية في الحرب العالمية الثانية الذين بلغ عددهم في الاتحاد السوفيتي وحده نحو 20 مليون قتيل بسبب جنون هتلري ظننَّا أن التاريخ لن يشهد مثيلاً له، إلا أن ما يصل من سوريا من أخبار تجاوزت أفران الغاز والقتل النازي. في وسط هذه الأزمات ينبع الوسطاء من تحت الأرض، يسوقون الموت والقتل والانتحار أيضاً. ليس في سوريا فحسب، بل في كل بلد ابتُلي بأزمات سياسية وحروب داخلية، بيد أن الوضع السوري لا يزال يصعد نحو قمة الانحطاط والغرائزية التي تحكم الأطراف التي يبحث كل واحد منها عن دويلة ميكروسكوبية ليقيم عليها دولة، أساسها جماجم الأطفال والنساء والأبرياء الذين لا يعرفون أين تقع جنيف ولا يهمهم أصلاً في أي قارة تتربَّع.
هؤلاء السماسرة، لا يبحثون عن حلول ولا وقف لسفك الدماء، بل من صلب مصالحهم أن تتعقَّد الأزمة ويزداد القتل والدمار في كل مكان. وفي هذا منافع لهم: تزويد المتقاتلين بالسلاح وتشليح ما تبقى من ثروات لم تسرق، ومن ثم زيادة فاتورة إعادة الإعمار والتعويض. يقال إن خسائر الدمار في سوريا تصل إلى أكثر من 350 مليار دولار، وهو رقم يقارب حجم أزمة الدولة اليونانية التي أعلنت إفلاسها، فجاء الكبار واشتروا بأثمان بخسة. وكذا أُريدَ لقبرص الصغيرة المفتتة إلى قسمين يوناني وتركي منذ العام 1975، وحتى الآن لم تفلح المفاوضات الأممية ولا الوسطاء والسماسرة في إعادة توحيد الجزيرة ليبقى جزءٌ تابع لليونان أفلس مع إفلاس البلد الأم، وآخر تابع لتركيا التي بدأت تدفع أثماناً لا تزال في بداياتها بسبب انغماسها في الوحل السوري، ليس فضيحة الفساد إلا قمة جبل الجليد البائن منها. فهناك أيضاً من سمسر بقضية سوريا وبقضايا أخرى في المنطقة وقد كتبت فيها قصائد شعرية لا تزال تردد حتى اليوم فيما صداها يضرب تداعيات في أنقرة وإسطنبول.
وبينما تمارس الدول الكبرى ضغوطها على فرق الائتلاف السوري المعارض ليعلن موافقته على حضور مؤتمر جنيف 2، يطل طفل سوري نازح من بين خرقة خيمته وسط زمهرير البرد القارس الذي يضرب المنطقة متسائلاً عن المؤتمر فيما هو يتضوَّر جوعاً ولا يجد كسرة خبز وعده بها كثرة من السماسرة والتجار والوسطاء. وهناك أكثر من 13.5 مليون نازح سوري داخل وخارج بلادهم يواجهون مصيرهم المجهول. وعلى هذه الأرضية يجري حزُّ الرؤوس وتقطيع الأجساد، وتبرز فرقة أشد بأساً من أختها التي ضَمُرت. واليوم هو يوم داعش التي لا يأخذها في قطع الرؤوس لومة لائم، حتى وإن كان حليفها ضد النظام أو خارجاً من نفس الرحم التي خرجت منها.
بَين أن يُعقد جنيف 2 في موعده المحدد من قبل المبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي المقرر له في 22 يناير الجاري، وبين أن يحقق هذا المؤتمر نجاحاً يُعتدُّ به، مسافة لا يمكن تجسيرها بتمنيات الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسية كاثرين أشتون، التي طمحت فيها أن يتوقف القتال في سوريا؛ فقد تستطيع تأمين أغلب الأموال التي حددتها الأمم المتحدة لدعم الشعب السوري البالغة 6.5 مليار دولار وعقد مؤتمر أصدقاء سوريا من أجل جمعها في الكويت قبل يومين، لكن أشتون لن تتمكن من الوصول إلى وقف لإطلاق النار في بلد يبدو أن بعضاً من بِنَاه التحتية ومؤسساته لا تزال تعمل بشكل مقبول على الأقل؛ فقد يكون المطلوب تدمير ما تبقى في هذا البلد لإخراجه نهائياً من المعادلة السياسية في المنطقة، حيث كان يلعب دوراً إقليمياً مهماً بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع موقف النظام القائم فيه.
ربما أن المواطن السوري العادي أيضاً، لا يهمه اليوم مصير الرئيس السوري بشار الأسد؛ فقد واجه القتل من أطراف عدة متقاتلة لا تترك له التفكير في أحد بقدر ما تجعله يستغرق جل وقته في البحث عن أسباب الحياة وسط التهديد المرعب الذي يأتيه من كل مكان. فهو لا يتحمل عدم تنفيذ نص اتفاق جنيف 1 الذي يقضي بتأليف حكومة سورية من ممثلين عن النظام والمعارضة تتمتع بصلاحيات كاملة، لكنه لم يوضِّح مصير الرئيس السوري، وكأنما الجميع تواطأوا على أن يكون النص مبهماً لمزيد من الدمار وكسب المواقع. ثم إن اللاجئين الفلسطينيين الذين يموتون جوعاً في مخيم اليرموك على مشارف دمشق لا يهمهم من الذي سيحقق النصر المؤزر على الأشلاء وقد نكبوا للمرة الثانية بعد نكبة الـ 48.
صحيح أن البعض الذي لا يزال يفكر بعقلية 2012، يرى أن جدول أعمال المؤتمر العتيد ينبغي أن يوضع بناء على معطيات مؤتمر جنيف 1، وهذه مغالطة في حدها الأدنى؛ فوقتها كان جيش النظام السوري في موقع الدفاع وخسارة المنطقة تلو الأخرى، أما اليوم فإنه يتحرك من منطلق الفعل والمبادرة، مستفيداً من اقتتال الجماعات المسلحة المتعددة الانتماءات والولاءات. وحيث إن المعطيات قد تغيرت، فإن مَنْ رفض الذهاب إلى جنيف 2 مبكراً يخسر اليوم مواقعه على الأرض في سوريا، إما لصالح جيش النظام أو لصالح تنظيم داعش الذي يشكل امتداداً لتنظيم القاعدة في العراق. داعش اليوم تعلن سيطرتها على مدينة الرقة، ليس من أيدي النظام، بل من الفرقة الإسلامية الأخرى التي تعتقد هي الأخرى أنها الفرقة الناجية. وإذا ظل الاقتتال محتدماً على هذا المنوال، فإن داعش التي لن تحضر وهي غير مرغوب فيها أن تحضر المؤتمر، ستتقاسم الأراضي السورية مع النظام.
فكيف سيكون شكل مؤتمر جنيف 2 إن عُقد؟ وأي أجندة سيناقش؟!.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٧٥) صفحة (١٣) بتاريخ (١٧-٠١-٢٠١٤)