الفساد هو ضرب من ضروب الخيانة للدين والوطن، فإذا فسد المجتمع غابت أخلاقياته ونزاهته، وأي مجتمع يستشري فيه الفساد يتجه إلى الهاوية ويصبح مجتمعاً رجعياً لا يستطيع التقدم أو التطور بسبب الفساد الذي ينخر فيه، والفساد في اللغة معناه «فسد» وهو ضد «صلح»، والفساد لغة: البطلان فيقال: «فسد الشيء» أي: «بطل واضمحل».
ومعظم الأوطان بمختلف أديانها وثقافاتها تحارب الفساد محاربة قوية حيث يكلفها ذلك من الأموال والأنفس الشيء الكثير، إذاً فمصطلح الفساد متفق عليه على أنه «خيانة» من الشخص الذي يدعم ويشجع على الفساد، ويقول الله تعالى «ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» الروم 41، ولمعجم أكسفورد الإنجليزي تعريف للفساد بأنه: «انحراف وتدمير النزاهة في أداء الوظائف العامة من خلال الرشوة والمحاباة».
وبعض الفساد قد نشاهده ونستشعر به نحن كرداءة تنفيذ بعض الطرقات أو بعض مجاري السيول والكباري وغيرهما وهذه يستخدمها العموم ويستشعرون بها عند خرابها أو توقفها بسبب رداءة تنفيذها، أما نوع الفساد الآخر فهو ما يحدث داخل بعض الأجهزة والمؤسسات الحكومية فهذا النوع غير مشاهد أو ملموس لأنه يتم عبر قنوات سرية لا يعلمها إلا بعض أصحاب النفوذ والسلطة كقبول الرشوة لتمرير بعض المخالفات غير النظامية التي قد يترتب عليها مستقبلاً ضياع أو موت اُناس تأثروا من تلك التجاوزات.
والمملكة هي إحدى المنظومات التي تُعنى بمكافحة الفساد ومحاربته بجميع أشكاله وأنواعه حيث لا تخلو بلد من الفساد لأن الكمال لله سبحانه وتعالى، فالمملكة وحسب مقياس منظمة الشفافية الدولية ومن خلال إصدارها السنوي لعام 2013م لمؤشر مدركات الفساد فقد احتلت المملكة المرتبة «63» من بين دول العالم بحصولها على «46» نقطة متقدمة عن العام الماضي بنقطتين فقط، واحتلت المملكة المرتبة الرابعة عربياً بعد دولة الإمارات التي حصلت على الترتيب «26» ودولة قطر «28» والبحرين «57»، وهذا القياس يتم إعلانه في كل سنة عن مؤشرات الفساد في كل دولة ومدى تقدم بعض الدول في مكافحة الفساد ومحاربته برغم معارضة كثير من الدول لهذا القياس محتجين بأنه غير دقيق، وهو من المعروف أن قياس الأشياء لا يأتي بنتائج صحيحة مائة بالمائة وإنما يكون قريباً من الدقة والصحة.
والمملكة أسست هيئة لمكافحة الفساد «نزاهة» قبل سنوات إلا أننا مازلنا نقبع في متوسط الدول التي تعاني من الفساد ولم يتحسن الرقم كثيراً بما فيه الكفاية والقناعة لنا جميعاً، ولعل ذلك يكون بسبب أن الفترة الزمنية مازالت غير كافية للهيئة حيث إن الفساد هذا له جذوره القديمة ومن الصعب استئصاله بشكل سريع.
ومع الانفتاح الفكري السريع الذي شهدته المملكة في السنوات الماضية وخصوصاً بعد انتشار وسائط التواصل الاجتماعي ومنها “تويتر» أصبحت هناك شفافية كبيرة في طرح القضايا ومناقشتها وأصبح السقف مرتفعاُ لدى كثيرين في نقدهم وطرحهم، إلا أن هذا الأمر لم يغير في ذهنية وتركيبة بعض المسؤولين في بعض الجهات والمؤسسات الحكومية شيئاً فنجد أن بعض الجهات تتأثر كثيراً بشفافية الإعلام ومعالجته لقضايا الفساد حتى أن أغلب تلك الجهات لا تتفاعل كثيراً مع ما يطرح من كتابات أو انتقادات سواء عبر الصحف اليومية أو المواقع الإلكترونية أو وسائط التواصل الاجتماعي إنما تكتفي تلك الجهات بالصمت قدر الإمكان لعله يأتي موضوع آخر يغطي على موضوعهم المطروق للنقاش فيرتاحون من مشقة الرد والإحراج والإيضاح، وهذا من وجهة نظري خطأ كبير تقع فيه معظم الجهات والمؤسسات فمن الواجب على كل جهة تخصيص متحدث رسمي يكون له حساب خاص على «تويتر» ويرد على التساؤلات ويوضح بعض الجوانب التي تغفل عن كثير من الناس وكذلك يخرج في القنوات ويوضح لمنتقدي مؤسسته أو جهته الخطأ الذي حصل إذا كان هناك خطأ أو يصحح بعض المعلومات التي تم تداولها بشكل خاطئ وبهذا نكون قد قضينا على جزء كبير من تداول شائعات مغلوطة، ونكون أيضاً قد فضحنا المفسد علناً حتى يحاسب ونوقف المرجف عند حده ويحاسب أيضاً.
ومن أجل الإنصاف للوطن فنحن أفضل كثيراً من غيرنا في تنفيذ المنشآت الكبيرة وكذلك المشاريع الضخمة والطرقات التي تربط مناطق المملكة بعضها بعضاً بشكل جيد ولكننا نحتاج القضاء على بعض الأساليب الموجودة في استمرارية الفساد وخاصة الإداري منه حتى نستطيع السير على نسقنا العام ونهجنا الصحيح الذي تربينا عليه وترسخ في أذهاننا من خلال ما تعلمناه من تعاليم ديننا الحنيف الذي يمنع على كل شخص أن يكون فاسداً سواء على الجانب الشخصي أو العملي، ولعلنا نحرص من خلال مؤسساتنا التي تُعنى بمكافحة الفساد في توعية المجتمع وخاصة أجيالنا الصغار في كيفية محاربة الفساد وأنه من الأسباب الكبيرة في تأخر الدول وعدم تقدمها على المستوى الحضاري والتنموي.
وختاماً هناك بوادر مضيئة يتنبأ بها المستقبل لنا ألا وهي القضاء على الفساد نهائياً من خلال الوقفة الصادقة من الجميع بمحاربته واجتثاث جذوره من وطننا ليصبح وطناً صافياً ونقياً من الفساد والمفسدين لنتمكن من مسايرة ركب الدول المتقدمة في التقدم والتنمية والبناء.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٧٦) صفحة (١٣) بتاريخ (١٨-٠١-٢٠١٤)