محمد غريب: أهالي «رجال» جحدوني.. ومتحف القرية فقد مقتنياته الثمينة

طباعة ٢ تعليقات

أبهاعلي فايع

لم نسعَ للمال من إعادة تأهيل القرية.. بل هو اهتمام ثقافي وحماسة للتراث
أهالي القرية لا يريدون فهم دور المتحف.. وهُم أهمّ أسباب تراجعه
في الموقع قطعة أثرية قيمتها 250 ألف ريال كُسرت نتيجة الإهمال
الشركة المكلفة بالتشغيل لم تلتزم بمواد العقود الموقعة مع الأهالي

مع أنّه مؤرخ وباحث رصين، إلا أن علاقته بمتحف التراث في قرية رجال لا تكاد تنفكّ في كلّ جلسة حوار يكون طرفاً فيها. فقد عُرف بأنه صاحب مبادرة إعادة إحياء قرية رجال التاريخية، وكذلك يعود له الفضل في أنه صاحب الجهد الأكبر في تأسيس متحف قرية رجال. ومع أنه اليوم بات غائباً عن المشهد بشكل كامل إلا أن ذكره لا يكاد يغيب. في آخر لقاء في قرية رجال أثنى على جهوده الدكتور محمد آل زلفة بقوله: لا يوجد باحث جادّ في تاريخ عسير إلا ويكون لمحمد غريب في بحثه نصيب.
«الشرق» التقت الأديب محمد حسن غريب في هذا الحوار للحديث عن قرية رجال وكتابة التاريخ، فإلى نصّ الحوار معه.

تأسيس المتحف

  • حدِّثنا بداية عن الانطلاقة الفعلية في تأسيس متحف قرية رجال؟

محمد غريب

محمد غريب

- انطلقنا في التأسيس من أمور لم يتصورها أحد. أقنعنا الأهالي بفكرة المتحف، حيث بدأ بعضهم يتفهمون الموقف. لدرجة أن بعضهم لم يقتنع بالفكرة فسلّمونا مقتنياتهم بسندات كان نصيبي منها أكثر من ثلاثين سنداً، وكان الهدف تشجيعهم، حيث بدأت كميات هائلة تصل إلينا من الأهالي، وبعد افتتاح المتحف من قبل أمير منطقة عسير وقتها، الأمير خالد الفيصل في عام 1407م، اقتنع الأهالي بالفكرة وزودونا بما لديهم من مقتنيات. كان المتحف وقتها عبارة عن أربع غرف فقط.

  • من وقف معك في هذا العمل بالدعم والمساندة؟

وفد أمريكي أثناء زيارته قرية رجال ومتحف ألمع الدائم للتراث (الشرق)

- الأديب أحمد مطاعن والشاعر علي مهدي كانا من أكثر الداعمين مادياً ومعنوياً. حيث كنت أبذل الجهد البدني فيما كانا يبذلان المال والوقت. وكذلك طرشي الصغير الذي يحسب له وقوفه على قصر رجال خمس سنوات دون مقابل يذكر.

  • وهل المال هو الهدف من هذا العمل؟

- لم يكن الهدف مالياً ولا حتّى سياحياً. كان الهدف من إعادة تأهيل هذه القرية وحفظ تراثها اهتماماً ثقافياً وحماسة للتراث.. كان هدفنا الأول أن نعيد اكتشاف هذه القرية وأن نحييها بعد أن هجرها أهلها.

إهمال وتراجع

  • ما رأيك في من يرى أن دور المتحف تراجع اليوم في ظلّ التركيز على الجانب السياحي لهذه القرية بشكل عام؟!

- لتراجع دور المتحف أسباب كثيرة من أهمها أن أهالي القرية لا يريدون فهم دور المتحف الحقيقي. فقد أخذته شركة رجال وأهملته لأنه لا يعنيها سوى المال. جلسنا في صراع كبير بسبب هذا الإهمال. وحين قويت الأصوات وارتفعت دون جدوى قررت الخروج والانعتاق من أي مسؤولية! لكن أيّ إضرار في المتحف اليوم سببه الأهالي الذين سلموه لشركة رجال دون متابعة أو قيود ملزمة برغم أن في العقد بين الأهالي والشركة أن يؤمن المتحف ببعض القطع التي تفقد، إلا أنهم لم يلتزموا بشيء من ذلك.

  • وماذا عن المقتنيات في المتحف، ألم تجردها قبل خروجك؟!

- بلى، عملت جرداً على محتويات المتحف ولدي بيانات بكلّ ما كان فيه. وما زالت لي سبعة أصول لوثائق تاريخية في المتحف، وعليّ اليوم واجب أن أسحبها بعد غياب الجانب الأمني في المتحف. في المتحف قطعة أثرية دفع فيها وفد ياباني 250 ألف ريال لم نقبل ببيعها، اليوم كُسرت هذه القطعة نتيجة الإهمال وعدم العناية. المتحف يحتاج ترميماً جذرياً، وكثير من المقتنيات فيه فُقدت أو سُرقت.

  • هناك من يعتقد أنّ هجومك هذا دليل على أنّك ضد فكرة الاستثمار في المتحف؟!

- كانت وجهة نظري أن يُسلّم المتحف للشركة السياحية أفضل من تسليمه لشركة رجال. لأنّ الشركة السياحية تملك المال والوجاهة.

استثمار فقط

  • بما أنّك تحترق من أجل هذا المتحف وقد أصبحت بعيداً عنه، فما المقترحات التي ترى أنّ على القائمين على المتحف اليوم اتباعها؟

لا يمكن تقديم أيّ مقترح والمتحف في يد أناس يبحثون عن الاستثمار فقط وكل رأي لا يقبل. إذا كان رأينا فيه خسارة على المستثمر فلن يلتفت لنا. لست ضد فكرة الاستثمار، لكن الإشكاليّة في أنّ الأهالي لم يتابعوا تنفيذ بنود العقد مع الشركة في حالة تلف أو فقدان أي قطعة أثرية من المتحف.

  • ولماذا لم تشارك مع أهالي القرية في صياغة هذه البنود؟

مع الأسف الشديد، بعد عشر سنوات من العمل، منها سنة كنت أعمل فيها بمنزلة البواب أقبض المال وأسلمه لأهالي القرية جحدت.
يحقّ لي أن أقول إنني لا أسأل اليوم عن هللة واحدة في هذا المتحف، فقد سلّمت أهالي القرية فواتير كاملة غير منقوصة بما فيها فواتير بالمبالغ التي كانت تعطى لي بصفة شخصية. ومع أنّ كلّ هذه الأموال تدخل صندوق القرية العام إلا أنه لا يصرف منها ريال واحد في خدمة المتحف.
أستطيع الجزم بأنّه لا يوجد شخص واحد متحمس أو متألم مثلما أنا متحمس اليوم ومتألم في الوقت ذاته لهذا المتحف برغم أنني لم آخذ مقابل عملي فيه مالاً بل أضعت من أجله مصالحي الشخصيّة.

  • وماذا عن مستقبل القرية اليوم بعد هذه الملايين التي رُصدت لها؟!

قرية «رجال»

- تسعة ملايين رصدتها البلدية قادرة على أن تعيد القرية إلى طبيعتها، لكنّ ما يعمل اليوم أشياء واهية لا تخدم القرية بشيء. من حقّي أن أتأسف على هذه الملايين إذا كانت غير قادرة على أن تخدم هذا التراث.

  • لماذا لم يأخذ محمد غريب المتحف من أهالي القرية ويحافظ عليه؟!

- لا أنكر أنّ أهالي قرية رجال عرضوا علي فكرة استثمار المتحف لكنني رفضت لأنني لم أكن أملك المال.

أصحاب الحق

  • هناك جدل كبير في أوساط الألمعيين حول المتحف. هل لأهالي رجال ألمع شيء فيه؟!

- ليس من حقّ أهالي رجال ألمع أن ينسبوا لأنفسهم أيّ حق في متحف رجال، وكذلك إدارة تعليم رجال ألمع. كلّ ما في المتحف من مقتنيات لأصحاب معروفين في قرية رجال، وهناك من يعتقد أنّ الخطابات التي جمع بموجبها طلاب المدارس بعض المقتنيات لم يكن الهدف تغذية متحف رجال بها، بل كان الهدف من جمعها إنشاء متحف في إدارة التربية والتعليم، وعلى كلّ شخص يزعم أنّ له مقتنيات قديمة في المتحف أن يسأل عنها إدارة تعليم رجال ألمع. لأنّه لم يدخل متحف قرية رجال منها شيء.

  • ماذا عن غريب المؤرخ، هل غاب عن المشهد أم أنّ لديه عملاً يشفع له في هذا الغياب؟!

- انتهيت من كتاب عن تاريخ بلدة رجال في ألف صفحة، أستطيع القول إنّ فيه وثائق ومعلومات جديدة عن تاريخ هذه القرية وعن جهود أهلها.

  • ما الكتاب الذي شدّ محمد غريب عن تاريخ المنطقة، وما الكتاب الذي استاء منه؟!

- الكتب كثيرة في تاريخ المنطقة، لكنّ كتاب «الأمراء اليزيديون» يعدّ من أبرز الكتب التاريخية الرصينة والجادّة في الوقت ذاته. أما الكتاب الذي استأت منه فهو كتاب «ناحية عسير في الجاهلية والعصر الإسلامي المبكر» لفقدانه أصول البحث العلمي وتجاوزه الأمانة البحثية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٧٦) صفحة (٢٠) بتاريخ (١٨-٠١-٢٠١٤)