بعد أكثر من ثلاث سنوات على انطلاق الربيع العربي، ثمة جردة حساب ينبغي أن يتم فحصها ووضعها في إطاراتها الطبيعية بعيداً عن التوقعات غير الموضوعية. ولعل الاتحاد الأوروبي بدوله الثمانية والعشرين والدول الواقفة في طابور الانتظار للانضمام إلى أكبر تكتل جغرافي واقتصادي في العالم، حيث يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لدول الاتحاد مجتمعة أكثر من 15 تريليون دولار، متقدماً على الولايات المتحدة الأمريكية ببضعة مئات المليارات من الدولارات… هذا الاتحاد لم يكن بعيداً عن خضات الربيع العربي التي عصفت بعديد من دوله المتشاطئة مع دول في الاتحاد الأوروبي في حوض البحر المتوسط، كما هو الحال مع ليبيا وتونس والمغرب، فيما تمتلك علاقات تجارية مع الدول العربية مجتمعة تبلغ 61.4 مليار دولار، وكذلك بعض دول الجوار مثل تركيا التي تبلغ تجارتها مع الاتحاد الأوروبي أكثر من 100 مليار دولار، ويعتمد اعتماداً كبيراً على نفط الشرق الأوسط، وتتأثر اقتصاداته بما يجري على الأرض. في بداية الأمر، لم يكترث الاتحاد الأوروبي ودوله الرئيسة بما كان يجري في تونس ومصر وبقية الدول التي مر عليها الربيع، لكنها وجدت نفسها بعد برهة مجبرة على رفض دخول زين العابدين بن علي كلاجئ في فرنسا، وغرقت بعد قليل في الوحل الليبي ليمتد بعد ذلك إلى أوحال سوريا بمتناقضاتها التي لا يستطيع أحد التكهن برمالها المتحركة والدموية، ما يجعل الاتحاد الذي لا يزال يعاني من تداعيات الأزمة المالية يواجه استحقاقات داخلية تتعلق بعملية الانتشال للاقتصادات المتعثرة، والشروع في عملية الدفع الضرورية لليونان وقبرص والبرتغال من أجل مواجهة المتاعب الاقتصادية، وامتصاص النقمة الكبيرة لشعوبها على قيادة الاتحاد وقاطرته ألمانيا التي يرون فيها المشتري الأكبر لبلدانهم نظراً للطريقة التي تعاطت بها العواصم الكبرى في الاتحاد مع الإفلاس الذي تعرضت له اليونان، على الأقل، حيث أقدمت على وصف الدواء المر لليونانيين بتخفيض الأجور ومعاشات الضمان الاجتماعي، وقلَّصت عدد العاملين في القطاع العام، وهي تقريباً نفس الوصفة التي قدمتها عواصم الاتحاد الكبرى للبرتغال. كما أن الأداء الاقتصادي لمجمل دول الاتحاد يعدُّ منكمشاً للدرجة التي يصل فيها معدل النمو إلى ما يقارب الصفر في الدول الرئيسة للاتحاد، بينما يؤكد رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي هرمان فان رومباي على أن الاقتصاد الأوروبي سوف يتعافى في العام الجاري في أغلب الدول الأوروبية باستثناء قبرص وسلوفينيا، وأنه سيشهد نمواً رغم معضلة البطالة وخصوصاً بين الشباب.
هذا التفاؤل قاد المفوضية الأوروبية إلى التأكيد على دورها في انتشال الاقتصاد المصري من عثراته، ولم يتردد الوفد من الحديث عن عزم الاتحاد على دعم مصر في ثلاثة مواقع مهمة تتمثل في الحد من الفقر الذي ازدادت معدلاته في السنوات الثلاث الماضية، ودعم المحافظات الأكثر احتياجاً عبر العمل على توفير فرص العمل الجديدة، وتحسين جودة حياة المواطن المصري. وتشمل عملية الدعم أيضاً تطوير شبكات المياه والصرف الصحي وإدارة المخلفات، وذلك من خلال برنامج يمتد من بداية السنة الجارية حتى نهاية العام المقبل، ما يعني أن الاتحاد الأوروبي الذي مارس عملية تشكيك كبيرة إزاء مال الوضع السياسي في مصر قد حسم أمره وبدأ يتعاطى بإيجابية أكبر مع الشأن المصري بعد عزل الرئيس مرسي ودخول البلاد فيما أطلق عليه خارطة الطريق بدأت بالتصويت على الدستور وتمتد لتشمل انتخابات رئاسية ونيابية، والشروع في عملية إصلاح واسعة لتحقيق الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي، رغم المعارضة الشديدة التي تبديها جماعة الإخوان المسلمين الذين يرون أن ما حدث ليس سوى انقلاب عسكري على الرئيس المنتخب. ولأن مصر تشكل أهمية كبرى بالنسبة للاتحاد الأوروبي نظراً لموقعها الجيوسياسي والبشري، فإن الاتحاد لا يمكن أن يغض طرفه عنها إذا نظرت العواصم الأوروبية إلى المصالح الاستراتيجية على الصعد الاقتصادية والسياسية ودور مصر في عملية استقرار المنطقة العربية بمشرقها ومغربها. بيد أن الاتحاد الأوروبي الذي تحمَّس كثيراً لإسقاط القذافي في ليبيا، لا يزال يراوح متفرجاً على تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية هناك، حيث تزايدت الانقسامات وبدت الجماعات الفرعية تفكر جدياً في الخلاص الفردي بعيداً عن وحدة الدولة. وهو ما نراه على أكثر من مستوى أهمه تعطيل تدفق النفط وتكريره والاستحواذ عليه بعيداً عن خزينة الدولة لصالح الجماعات المتناحرة في أكثر من منطقة. ويبدو أن الوضع التونسي أفضل بكثير من الوضع الليبي، وقد يكون أقرب إلى الوضع المصري، في موضوع الإسلام السياسي وجماعة الإخوان، إلا أن حركة النهضة كانت أكثر ذكاءً من شقيقتها المصرية، فمارست براغماتية عالية المستوى لتفادي السقوط في النموذج المصري، حيث وافقت على تنازلات موجعة لصالح خصومها السياسيين، بالرغم أنه من المبكر الحديث عن خواتيم طيبة للعملية السياسية هناك. ويبقى دور الاتحاد الأوروبي «اقتصادياً- تجارياً» بالدرجة الأولى، حيث تتمتع تونس بموقع جغرافي هي أقرب فيه إلى دول الاتحاد الأوروبي من المشرق العربي. في هذه الأثناء يجد المغرب نفسه بعيداً إلى حد ما عن الاستقطابات الحادة، خصوصاً بعد مبادرة الملك محمد الخامس بإحداث تغييرات جوهرية على الدستور تماشت مع ما يريده أغلب المغاربة، فنفَّست عن الاحتقان بدرجة كبيرة، إلا أن شأنها شأن تونس في ضرورة تطوير واقعها الاقتصادي، وكذلك تحويل النصوص الدستورية إلى قوانين وبرامج عملية. وفي هذا الشأن تحتاج إلى البلدان العربية الغنية بذات القدر الذي تحتاج فيه إلى إحداث نقلة نوعية في التجارة مع دول الاتحاد الأوروبي وزيادة معدلات السياحة التي يعوِّل عليها المغرب بدرجة كبيرة في توفير فرص العمل الجديدة. أما في الشأن السوري، فإن موقع الاتحاد الأوروبي قد يكون في حالة تذبذب بسبب الوضع الأمني، وتحول الصراع إلى عسكري وأمني، وبروز معطيات جديدة يصعب التكهن بها بالرغم من انعقاد مؤتمر جنيف 2 وسط خلافات بين القوى المعارضة نفسها ودخول داعش على الخط، وتحرك المعادلات على الأرض بين فترة وأخرى، وتبدل مواقع المتحاربين بين الدفاع والهجوم، الأمر الذي يعقِّد المشهد ويضع احتمالات كثيرة مفتوحة على مستقبل قد يكون فيه الاتحاد الأوروبي طرفاً مستهدفاً، في وقت يواجه أوضاعه الداخلية بكثير من الحذر خصوصاً في المشهد الاقتصادي المأزوم. وفي ظل هذه المعطيات يحاول اللاعبون الكبار في الاتحاد الأوروبي مراقبة المشهد العربي الذي مرت عليه رياح الربيع بكثير من الدقة والمتابعة، وذلك لاقتناص فرص جديدة قد تسهم في إحداث نقلة في واقع بلدانه الاقتصادي، حيث تنتظر ليبيا وسوريا إعادة إعمار تحتاج إلى مئات المليارات من الدولارات، ما يعني اشتعال المنافسة بين الدول الكبرى لاقتناص أكبر قدر من كعكة العقود الاقتصادية والتجارية التي لا شك أنها ستحرِّك الأسواق الداخلية لتلك البلدان بما فيها الحد من البطالة المستفحلة في عديد من العواصم الأوروبية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٨٢) صفحة (١٣) بتاريخ (٢٤-٠١-٢٠١٤)