الجوع أنواع فهناك الجوع العاطفي والثقافي والغذائي والأمني، ومثلما يكون الجوع أنواعاً فإن الفقر درجات، فقر مطلق، وفقر مدقع، وفقر فاقة فحين تتيبس الجلود، وتغور العيون، وتغدو الأجساد مثل هياكل عظمية فإن ذلك يُعد الجوع الحقيقي، حيث تكون الطيور الجارحة في انتظار وليمتها، مثلما حدث لطفل إفريقي كان النسر يترقب لحظة رمقه الأخير لينقض عليه بمخالبه الحادة، كانت تلك الصورة هي الأكثر تأثيراً في المشهد الإعلامي وأكثر إيلاماً حيث تُعّبر عن أدنى درجات الفقر وأصعب لحظات الجوع، وتحكي القصة أن ملتقط الصورة هو أحد الهواة الأوروبيين في مجال التصوير لقي حتفه انتحاراً لعدم قدرته على احتمال العذاب وتأنيب الضمير إزاء ذلك المشهد المؤلم، والغارق في البؤس والجوع، وعند التدقيق في خريطة الفقر على مستوى دول العالم، نلحظ أن قارة إفريقيا تتسيّد هذا الموقف وتتربّع على هامة فقراء القارات لأسباب عديدة، كضعف التعليم أو عدم وجوده، وتردي المستوى الصحي، وكثرة القلاقل والمشكلات السياسية، وفوق هذا هيمنة الدول الاستعمارية حقبة من الزمن على ثروات تلك البلاد، وبعدما نزح الاستعمار أصبحت غير قادرة على استثمار ثرواتها ومواردها الطبيعية لأن الفقر يولّد الفقر بعدم وجود الإمكانات التي تؤهّل سكان تلك الدول للاستثمار الحقيقي وبالتالي مكث السكان يرسفون تحت خط الفقر دون تمكن من الارتقاء إلى مستوى معيشي مناسب، ولا يعني أن الفقر انحصر في إفريقيا وحدها بل هناك دول في آسيا في وضع لا يسر كبنجلاديش والهند وغيرهما، ويعود السبب إلى زيادة عدد السكان وعدم وجود توازن بين الموارد والسكان، وبحسب الإحصاءات الأخيرة فإن نسبة الفقراء في تزايد .. حيث يزيدون عن مليار نسمة أي نسبة 20% من سكان العالم تحت خط الفقر، والتصنيف العالمي يقول إن الفقير هو (الذي لا يزيد دخله عن دولارين في اليوم ولا يعني أن الفقر يقتصر على المليار فقط بل هناك أعداد أخرى بحسب درجات الفقر ومستوياته) كما يعرّفه المختصون بأنه (حالة من الحرمان المادي الذي يُترجم بانخفاض استهلاك الغذاء كماً ونوعاً وتدني الوضع الصحي والمستوى التعليمي والوضع السكني والحرمان من السلع المعمرة والأصول المادية الأخرى وفقدان الضمانات لمواجهة الحالات الصعبة كالمرض والإعاقة والبطالة) ورغم تزايد عدد فقراء العالم إلا أن المشاريع التي تخدمهم قليلة حيث تأتيهم المساعدات من الدول الصناعية والغنية مما سبب شيئين أولا: استمرار الاتكالية والتقاعس عن العمل، فضلاً عن الاستغلال السياسي الواضح في المواقف المتعددة وكأن لسان حال الدول المُعطية يقول: هذه المساعدات لمآرب مقصودة، ليس من أجل عمل إنساني وهذا الذي يتكشّف في المواقف السياسية، ولمّا كان العالم الإسلامي يستأثر بنسبة عالية من فقراء العالم فإن المؤشرات تنبئ بأخطار مستقبلية، أولها: التزايد السكاني غير المنتظم، وتباين توزيع الثروات وضعف التعليم وغيرها.
وحتى تتمكن دول العالم الإسلامي من تقليص نسبة الفقر فإنها مطالبة بوضع ستراتيجية من خلال دعم أساليب التنمية للمشاريع الصغيرة والكبيرة، مع التشجيع على التدريب بوصفه أحد أهم مرتكزات التطور مع تنمية المهارات والخبرات واستنهاض أفراد المجتمع لمبادرات في تنشيط العمل وبث روح المنافسة من أجل إنتاجية جيدة ومتنامية، والاعتماد على الذات وعدم الاقتصار على الدعم. ويمكن تعزيزه بأساليب أخرى أكثر جدوى وأبقى نفعاً باستثمار الثروات وتنمية قدرات الإنسان باعتباره المحرك الأساس لمفاصل الحياة.
وينبغي أن ندرك بأن الفقر لا يقتصر على الدول النامية فقط حتى الدول المتقدمة لم تسلم من غائلته، ويعود للبطالة، ويمكن مشاهدة العاطلين عن العمل في أوروبا وأمريكا أيضاً، حيث يشكلون أعباء أمنية بما يقترفونه من جرائم .
ومن أبشع الأسباب التي تزيد من رقعة الفقر، استشراء الفساد الإداري والمالي وتراكم المحسوبية وتلك مشكلات متشعبة في كون استئثار فئة قليلة بالأموال في حين تبقى النسبة الأكثر دون الحصول على ما يحقق لها التوازن المعيشي بسبب الإقصاء والتهميش..
و نتائج الفقر وخيمة ومعقدة وتؤدي لإفراز مشكلات أخلاقية وأمنية واجتماعية وحتى نفسية وهذا الذي يؤكده علماء النفس والاجتماع. أما الجوع العاطفي فتلك مسألة أخرى يمكن مناقشتها فلربما تلحق أيضاً حتى بالأسر الباذخة مما يؤكد بأن المال في أحايين كثيرة ليس وحده الجالب للسعادة.
كما أن وجود الحروب يسبب جوعاً حقيقياً للأمن وهذا يمكن أن نشاهده بأم عيوننا في سوريا التي يعاني سكانها من الاضطهاد والقتل والتشريد فالمال لا يحتاجه الناس في هذه الظروف العصيبة ويمكن القول إن ساعة أمن تفوق أموال الدنيا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٨٥) صفحة (١٣) بتاريخ (٢٧-٠١-٢٠١٤)