لم يعد الإرهاب اليوم محصوراً في حدود جغرافية معينة يصدر أوامره من أعلى قيادة سياسية في بلد معين، أو من جبال تورا بورا كما كان يفعل أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة، بل إن التطور الذي شهده العالم من ثورة تقنية في مجال الاتصالات والتواصل حولّ العالم إلى قرية صغيرة يمكن التقاط أي حدث خلال ثوانٍ وبثه في أرجاء المعمورة التي تتلقى سيلاً من المعلومات عبر الشبكة العنكبوتية بعضها هدفه التدمير الشامل لمجتمعات بأكملها.
وما يحدث في البلدان العربية في السنوات الأخيرة يفرض تسليط الضوء على أسباب وكلفة الإرهاب الذي أخذ يتمدد في كثير من الدول العربية والإسلامية التي أبتليت بموجة عاتية من أنواع عديدة من الإرهاب بما فيه إرهاب الدولة المنظم وإرهاب الجماعات وأحياناً ليست قليلة إرهاب الأفراد، وذلك لتحقيق غايات خارجة على المألوف وخارجة عن الأعراف والقوانين.
يمكن اختصار تعريف الإرهاب بأنه «العمل الذي يهدف إلى ترويع فرد أو جماعة أو دولة بغية تحقيق أهداف لا تجيزها القوانين المحلية أو الدولية». وثمة أنواع عديدة من الإرهاب منها الإرهاب الفردي والجماعي غير المنظم والجماعي المنظم وإرهاب الدولة أو الإرهاب الدولي. وإذا كان الإرهاب الفردي يمارس للحصول على أهداف تتعارض والقوانين المحلية والدولية ولأسباب أغلبها دينية ومذهبية ليتخذ الإرهاب الفكري والعنف الجسدي والتكفير والفتاوى بإهدار دم الفرد أو جماعة أو طائفة، فإن الإرهاب الجماعي هو الأشد فتكاً من حيث التنظيم وامتداده إلى مواطن أخرى غير تلك التي نبع منها في الأصل ويكون الإكراه والتخريب والتهديد بالقتل وممارسة هذا القتل في موجة عبثية لا يمكن الخروج منها بقرار يستخدم كبسة زر، نظراً للاستراتيجية التي يتخذها صانعو قرار الإرهاب الفكري والتصفيات الجسدية التي أخذت مناحي جديدة مثل العمليات الانتحارية وسط التجمعات البشرية، أي تجمعات بهدف إحداث أكبر قدر ممكن من القتل والدمار.
لكن إرهاب الدولة هو الأخطر على الإطلاق حيث تنطلق هذه من قوانين ملتوية لتجسيد أهدافها غير المشروعة تحت «يافطات» وجدناها في الكيان الصهيوني وأفغانستان والعراق ومصر وسوريا واليمن وغيرها من الدول التي لا ترى في مواطنيها إلا فئران تجارب يمكن تجربة أشكال جديدة من الإرهاب عليها، في لحظات عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. إن هذا الأمر قاد إلى تدمير البنى التحتية لعديد من البلدان وتحول اقتصاداتها إلى رماد، كما تسبب في إهدار دماء الأبرياء في كثير من الأحيان. فالإرهاب يجد بيئته التي ينمو فيها بسرعة في المجتمعات المغلقة غير القادرة على استيعاب التنوع الأيديولوجي والفكري المطلوب لخلق التوازن في عملية التنوع هذه. وهذا يسبب ضغوطاً كبيرة على المجتمع قد تؤدي إلى انفجارات اجتماعية كبرى وبطبيعة الحال إلى نزوع مجاميع إلى ممارسة فرض رأيها على طريقة الفرقة الناجية التي لا يأتيها الباطل من خلفها أو من جنباتها، الأمر الذي يقود إلى توتر مجتمعي يحدث انفجاراً يصعب وضع الحلول اللازمة له. كما أن الإرهاب ينمو في البيئات الأكثر حرماناً حيث تشعر الفئات المحرومة من العيش الكريم باضطهاد واستضعاف يقودها إلى ممارسة العنف والإرهاب كردة فعل على عملية التهميش التي تعاني منها.
لكن هناك كلفة اقتصادية كبيرة مباشرة وغير مباشرة للإرهاب بغض النظر عن نوعه، فردي أو جماعي أو منظم من قبل دولة، وهذا ما جعل كثيراً من الدول تخوض حروبا كبرى ضد الإرهاب وتخصص الموارد المالية اللازمة لها التي عادة ما تستمر إلى فترات طويلة تستنزف الموازنات العامة على حساب التنمية الإنسانية الشاملة. ففي الولايات المتحدة الأمريكية التي أعلنت الحرب على الإرهاب، خصوصاً بعد تفجير برجي التجارة العالمي في نيويورك وراح ضحيته الآلاف، تشير بعض الإحصاءات إلى أن الإدارة الأمريكية صرفت ما بين 4 إلى 6 تريليونات دولار خلال الفترة الممتدة من 2002 حتى العام 2011، وهي مبالغ فلكية كان يمكن استثمارها في تخفيف الدين الفيدرالي الأمريكي الذي ارتفع من 5.7 تريليون دولار في العام 2001 ليصل إلى 14.3 تريليون دولار في العام 2011.
لكن الحرب على الإرهاب التي دشنتها الولايات المتحدة في أفغانستان عام 2001 والعراق في 2003 كلفت الخزينة الأمريكية 1.3 تريليون دولار حسب تقديرات جامعة براون الأمريكية.
الأرقام الفلكية التي صرفتها الإدارة الأمريكية للحرب على الإرهاب أكبر بكثير من الحروب التي خاضتها خلال العقود الماضية. فقد كلفت حرب الخليج نحو 96 مليار دولار، بينما كلفتها الحرب العالمية الأولى 253 مليار دولار، والحرب العالمية الثانية أكثر بقليل من 4 تريليونات دولار، والحرب الكورية مطلع الخمسينيات 320 مليار دولار وحرب فيتنام 686 مليار دولار. لكن الجامعة التي أعلنت عن هذه الأرقام أشارت إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية صرفت 6.5 تريليون دولار في الفترة ما بين 2002 إلى عام 2011، أي الفترة التي أعلنت فيها الولايات المتحدة حربها على الإرهاب.
لاشك أن العالم دفع أثمانا كبرى لمواجهة الإرهاب، ودفعت مجتمعات بكاملها كلفة مالية مباشرة وغير مباشرة من جراء الأخطاء المرتكبة في مواجهة الإرهاب، خصوصا لجهة قتل الأبرياء التي يبدو أن أفغانستان واليمن إلى حد ما موقعان جيدان لضرب المثل بهما في حجم الخسائر البشرية من المدنيين، ناهيك عن العراق إبان الغزو الأمريكي له في العام 2003.
وتتجلى الحرب على الإرهاب اليوم في سوريا، حيث تتعدد أطراف الأزمة وكذلك عمليات القتل والتدمير الممنهج للبنى التحتية، فضلا عن تعطيل عملية التنمية الإنسانية التي أصيبت في سوريا بمقتل نظرا لحجم الدمار الذي تعرضت له البلاد وهي تحت نيران الحرب الأهلية وحرب الجماعات المسلحة التي يبدو أنها لا تزال تتمتع بنفس يمكن أن تستمر معه في عمليات التدمير التي طالت كثيراً من المناطق والمؤسسات الحكومية والخاصة بما فيها المصانع التي تم تفكيكها ونقلها بعيدا عن أمكنتها الأصلية ووراء الحدود.
ومع اختلاط حابل الأزمات بنابلها، تبدو الدول التي تعرضت لإرهاب الدولة وإرهاب الجماعات أنها غير قادرة على استنهاض واقعها من المأزق الذي وقعت فيه، ما يجعل تجفيف منابع الإرهاب ضرباً من المستحيل في أحيان كثيرة.
إن الأزمات المعيشية التي يخلفها الإرهاب بكافة أشكاله تؤدي بدورها إلى استقطابات مفصلية مع انهيار الطبقة الوسطى التي لا تجد لها مكاناً بين التوترات فيما تجرى لها عملية فرم مالية واقتصادية بسبب الأزمات الاقتصادية والمالية التي تمر بها الدول التي يعشعش فيها الإرهاب ويحول وضعه الطارئ إلى وضع دائم مستقر قادر على اختراق كثير من المؤسسات المجتمعية التي يمكن أن ينشط من خلالها ليواصل نهجه المدمر.
إن إرهاب الجماعات المسلحة في ليبيا، مثلاً، وسيطرتها على منابع النفط لا يمكن تصنيفه إلا ضمن الفعل الإرهابي الممنهج للجماعات، كما أن عمليات القتل العبثي في سوريا تأتي في ذات السياق، وهو الأمر الذي ينطبق على المجتمعات العربية المبتلية بالإرهاب متعدد الأشكال الذي يقود إلى استفحال أزمات البطالة والفقر والأجور المتدنية والديون الخارجية التي تستنزف أقساطها نسباً كبرى من الموازنات العامة للبلدان التي يضرب فيها الإرهاب.
لا يمكن مواجهة الإرهاب في الدول التي تعاني من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، حيث تتطلب عملية الاستقرار تركيزاً على التنمية المستدامة من جهة وزيادة أعداد الطبقة الوسطى التي تآكلت في السنوات الأخيرة وتحولت إلى جزء من الفئات المحرومة، وتقف في طوابير الخدمات العامة إلى جانب أبناء الفئات محدودة الدخل. وتلك هي المعضلة.
إن أغلب الدول العربية والإسلامية لم تعد قادرة على تحقيق نقطة التعادل في موازناتها بسبب الفساد وعدم وجود استراتيجيات للنمو الاقتصادي الذي يواجه الأزمات المستفحلة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٨٩) صفحة (١٢) بتاريخ (٣١-٠١-٢٠١٤)