أربعون عاماً مرّت على تأسيس أول مؤسسة رسمية أدبية ثقافية في المملكة العربية السعودية (نادي جدة الأدبي) وحُق له أن يحتفي بهذه المناسبة بحضور كوكبة من كبار المسؤولين والمثقفين والمثقفات، وفي مقدمتهم الرئيس العام لرعاية الشباب الأمير نواف بن فيصل ومعالي وزير الثقافة والإعلام الدكتور عبدالعزيز خوجة ومدير عام الأندية الأدبية الأمير سعود بن محمد آل سعود، ويقيم حفلاً كبيراً ومبهجاً بهذه المناسبة ليوضح المسيرة الأدبية والثقافية والفكرية التي مر بها النادي بدءاً من عهد المؤسِّسين الأدِيبين الراحِلين محمد حسن عواد وعزيز ضياء ومن جاء بعدهما حتى ازدهر في فترة رئاسة الأديب عبدالفتاح أبو مدين والدكتورين عبدالمحسن القحطاني وعبدالله السلمي. وشارك أدبي جدة خلال أربعة العقود الماضية في إثراء الحركة الثقافية والأدبية دون تهميش أو تصنيف لأطياف المثقفين والمثقفات، فقد احتضن الطليعيون الذين حرصوا على مواكبة المستجدات الثقافية بما يتواءم مع روح العصر، وهذا دليل على قدرة المجلس استكناه ما يحتاجه المثقف من رؤى وأفكار تُساهم في إثراء المشهد الثقافي والأدبي من خلال الطرح الواعي والحوار المفيد والبحث المعمق، في الوقت نفسه التمسك بالتراث والاهتمام به ليتساير ويتناغم مع الحديث، وبهذا أصبح أدبي جدة ملتقى أفئدة المثقفين والمثقفات ومن جميع الأطياف مشاركة في النشاطات المتنوعة والحضور الممتع للاستفادة والإفادة، بل كان سبّاقاً في تهيئة الفرصة لأن يكون للمرأة الحضور الجيد في الحركة الأدبية بمنح الأستاذة اعتدال العطوي أول عضوية لامرأة سعودية عام 1393هـ لتستقطب المهتمات بالشأن الثقافي، فضلاً عن تميز أدبي جدة في تنظيماته للملتقيات والمسامرات والأمسيات الشعرية والقصصية والنقدية والدورات التدريبية في تقنيات الكتابة الروائية والنقدية والعروض وموسيقى الشعر والأسس الفنية للإبداع والمهارات العلمية والتقنية في كتابة القصة وفن كتابة المقالة الصحفية، والهدف بناء أجيال مميزة من الشباب وفق أسس علمية وخبرات معرفية ليتم اكتشاف المواهب الواعدة وصقلها وتشجيعها وتقديمها، ولم يغفل المسرح على اعتبار أنه أبو الفنون ونبضه الصادق لمعالجة المشكلات الاجتماعية، وزيادة على ذلك خصص جوائز إبداعية بهدف تنشيط حركة التأليف والنشر وأبرزها جائزة محمد حسن عواد وجائزة شاعر الشباب وجائزة جدة للدراسات الأدبية والفنون، وتجاوزت إصداراته 360 كتاباً في الفكر والأدب والثقافة والعلوم وتأتي نوافذ، والراوي، وجذور التراث، وعبقر، كنتاجات متميزة للنادي وأعمال مضيئة ترفد المشهد الثقافي. وفوق هذا وذاك أجاد في تنظيم الملتقيات الكبيرة، كملتقى قراءة جديدة في تراثنا النقدي، حيث شارك نخبة من المختصين سواء من داخل المملكة أم من خارجها بأوراق بحثية معمقة وملتقى قراءة النص استكمالاً للسابق، حيث طُرحت ما يزيد على 230 ورقة بحثية تناولت النص وإشكالياته وتأويلاته، والترجمة بوصفها نقطة تلاق بين الثقافات وشكلاً من أشكال الحوار الإنساني، واللغة والإنسان، والتحديث النقدي والأدبي في المملكة العربية السعودية، والرواية في الجزيرة العربية، ومسيرة الشعر في بلادنا، وصولاً إلى الشعر العربي المعاصر في عالم متغير، وتخصيص ملتقى عن مكة المكرمة بوصفها عاصمة للثقافة الإسلامية، فضلاً عن تخصيص ملتقيين عن رمزين ثقافيين هما حمزة شحاتة والعواد وخطابهما الأدبي والإنساني.
كما وسّع دائرة نشاطاته الثقافية ليمتد إلى المحافظات المجاورة كالقنفذة وخليص والليِّث والعرضيتين الشمالية والجنوبية.
في ذلك المهرجان وفي تلك القاعة الحديثة التي بناها رجل الأعمال حسن شربتلي على نفقته الخاصة، كانت الثقافة تضوّع سماء جدة بعبق أريجها فغدت «جدة» تختال كأجمل عروس لتطرح جديلتها على شاطئ البحر الأحمر وتغمس جسدها في الماء الشفيف وتداعب القمر بحسنها وجمالها، ولمّا كان أدبي جدة قام بدور طليعي خلال الفترة التي انصرمت، فالمأمول أن يواصل العمل الإبداعي بابتكار نشاطات أدبية جديدة تتناسب ومعطيات الحياة ومستجداتها المتسارعة، وهذا الذي نتوقعه من المجلس الحالي، حيث يتسنم إدارته الدكتور المثقف عبدالله السلمي وبقية رفاقه.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٩٢) صفحة (١٥) بتاريخ (٠٣-٠٢-٢٠١٤)