القصيدة الجديدة تشتعل في الفضاء الحر.. إبراهيم الحسين نموذجاً

صفحة الحسين على فيسبوك (الشرق)

طباعة التعليقات

عبدالله السفركاتب وناقد سعودي

فيسبوك وتويتر منصّة تتجلّى فيها حريّة المبدع
الحسين كائنٌ مثالي للعزلة والانقطاع عن الإعلام الجديد حتى 2013
القصيدة الجديدة بهجرة مبدعيها إلى الإعلام الجديد قد عثرتْ على عالمِ «ما بعد الياء»

عبدالله السفر

عبدالله السفر

«الحريّة» هي العنوان الذي تنكتب في ضوئِهِ القصيدةُ الجديدة في المملكة العربية السعودية. المساحة شاسعة بلا أسوار والخارطة بيضاء تخلو من التضاريس وليس ثمّة في العمل من أربابٍ سابقين يتجوّلون بآثارهم وكراسيهم المنصوبة في الغيم يطابقون ويمنحون بطاقةَ العبور أو يقومون بإغلاق البوّابة؛ فينعمون بشارةِ التميّز أو الإخفاق. المجال مفتوح تماماً والطائراتُ الورقيّة في كلّ مكان لها من الأشكالِ والألوان ما يرسّخُ الاحتفال وبهجةَ اللعب وبداهةَ المبادرة دونَ احتكامٍ إلى سابقةٍ تعمل مثل قيد. انفلاتٌ هائج ترعاهُ الحواسُّ إذْ تنغمرُ في المجهول لا رادع يمنعُ عن المضيِّ أو خشية تنثرُ أشواكَ التردّد. الخفّةُ التي تُنسِي الأقدامَ تاريخَ الخطوات وأثقالِها. العينُ التي تحُلُّ وتركّبُ وتحكي خافِتَ الضوءِ وما يسرّبُهُ الصمتُ في الزوايا.

منصّةُ الحريّة وفضاؤها المفتوح

باتت المدوّنات والمواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي من فيسبوك وتويتر هي المنصّة التي تتجلّى فيها هذه الحريّة. ففي فضاءٍ مفتوحٍ ومُشرَعٍ على التنافذ، لم تعد الكتابة حبيسةَ الأدراج والغرف المغلقة أو رهنَ الانتظار تتحيّنُ فرصةَ النشرِ أو رحمتَه. كما ولّى إلى غير رجعة دورُ الرقيب الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي يفحصُ النصَّ ليتأكَّد من خلوِّهِ من علامات الخطر التي تقضُّ مضجع الأبويّة التي تريدُ الحياةَ ـ ومعها النص ـ منسجمةً مع العينِ المحافظة ونظرتِها التفقديّة تعزلُ ما تظنّهُ نشازاً أو غريباً أو هذياناً؛ يعكّرُ ماءَ الكتابة الذي كادَ أن يأسَنَ لفرط بقائِهِ في البحيرةِ ذاتها لا يتجدّدُ ولا يتّصلُ بمصبّاتٍ تقلبُ أعماقَهُ وترجُّ ركودَه. لقد تهاوَتْ بوّابةُ الناشر التقليديّة وترنّحتْ طاولةُ الرقيب. في ضغطة زر «إرسال send» تباشِرُ الكتابةُ حضورَها وتمثُلُ في هواءِ التفاعل القرائي إنْ بالإعجابِ أو عدمه أو بالتعليق أو حتّى بالإهمال من أي مؤشّر (الحريّة، أيضاً، للقارئ بلا وسيطٍ أو مرشّح filter).

نبعُ الكتابةِ أصابَهُ انفجارٌ هائل

أضحى النصُّ خارج الغرف المعزولة. مختبرُ الكتابة مكانُهُ ليس في صومعةِ المكتبة الشخصيّة أو الجريدة أو المجلة ولا في حلقات الأصدقاء المنزليّة. على قارعةِ الشبكة العنكبوتيّة أقامت الكتابةُ مختبرها متخفّفةً من سيماء الجديّة مطوّحةً بأسرارِها وضاربةً صفحاً بذكرَى العنَت وعُسْرِ إيلاجِ الحرفِ في الصفحةِ البيضاء. طواعيةٌ واسترسالٌ ورشاقةٌ وتلقائيّةٌ في قنصِ الحالات والأفكار. كأنما نبعُ الكتابةِ أصابَهُ انفجارٌ هائل؛ فتعدّدتْ السواقي والمشارب وطابَ لفلاّح الكتابة أن يضعَ بذارَهُ وأن يزرعَ شجيراتِهِ مطمئناً لغزارة النبعِ وحلاوتِهِ. لم تكتسب الكتابة عبر وسيط النت طابَعَ السهولة والمواتاة في جميع الأحوال وحسْبُ. إنما تخلّقتْ، هذه الكتابة، بحسٍّ تجريبي اختباري مدفوعةً بنسائم الحريّة وتطامن السقوف وتلاشي القيود ومعها أيضاً شفّتْ الحدود بينَ الأجناس الأدبيّة والفنيّة، وتعزّزت أكثر بالتدافُعِ الخلاّق يشتركُ فيه أكثر من اسمٍ ومن أعمارٍ مختلفة لا تحتكم إلى جيلٍ محدّد ولا يمنعُها من التواصل اختلافُ ذائقةٍ ولا أعباءُ شهرةٍ أو معازلُ جغرافيا.. يشترك هؤلاء جميعاً في ورشةِ عصفٍ إبداعيّة ونتاجُها مطروحٌ أوّلاً بأوّل يأتي في طلاقةٍ وسيولةٍ، وفي انفتاحٍ للتجربةِ لا يني يتوسّعُ ويتمدّد إضافةً وإغناءً سواء للرصيد الشخصي بتمتين التجربة ورفعِها إلى مدارٍ أبعد أو لتزحيم حراك القصيدة الجديدة بما يمثّلُ تيّاراً عريضاً يؤشّرُ على نقلةٍ نوعيّةٍ شديدةِ التماسك ولها من النضج ما يجعلُها في سُدّةِ الحضور والتأثير في مدوّنة الكتابة المحلية والعربيّة وقبل ذلك في كتاب الشعر.

زادٌ جماليّ واستجابةٌ بارعة

وما يستدعي الالتفات والانتباه في هذه التجربة المنخرطة في عالم التواصل الاجتماعي، وعلى التحديد في الفيسبوك، أنّ أصحابها المبدعين منهمكون حدَّ الانغراس إن في المتابعة اللحظيّة، أو الحضور الإبداعي اليومي أو شبه اليومي.. وهذا يعني إلى أيِّ حدٍّ كان افتقار المبدع إلى حاضنةٍ يشعر فيها بالحريّة وتهبُهُ مناخاً زاخراً بكلّ ما يتطلّع نحوه وتهفو إليهِ نفسُهُ من زادٍ جمالي لا يتوقف عند النصوص الإبداعية، بل ينبسطُ جامعاً الفنونَ بكاملها إذْ يجدها أمامه منتقاة وموضوعة تلقاء حواسه انتخبها له ودعاه للمشاركة فيها الأصدقاء والصديقات بحسب الذائقة المصقولة وبحسب التفضيل من قائمة الجمال التي تتبدّى في الأوج من جهة الاختيار والتميّز والبصمة الدّالة على تاريخ وسيرة وإنجاز تستوي في هذا القصيدة واللوحة التشكيلية والصورة الفوتوغرافية والمشاهد المسرحية والأفلام السينمائية والموسيقى والرقص والغناء. كل ذلك يأتي في أصفى التجارب وأبلغ التعبير الجمالي عنها في كل مجال فني يصدر عنه عملٌ من الأعمال. في تلك الحاضنة وفي هذا المناخ؛ كانت الاستجابة الإبداعية في حدّها الأقصى من التدفّق والانسيابيّة على نحوٍ بارعٍ؛ كمّاً وكيفاً. ذلك أن البيئة الإبداعيّة باتت مواتية تماماً للإنتاج وتعمل على تهيئة الفرصة لاستواء تجربة الكتابة ممارسةً واختباراً، فقد تيسّرت الظروف الملائمة للكشف عن القدرات التي أصبح المجال أمامها سالكاً تتحقّقُ باشتعالٍ وبخزّانٍ من الطاقة لا يكفُّ عن التجدّد وفي نشاطٍ متّقد لا يفتر، وهذا من شأنِهِ حَمْلُ تجربة الكتابة إلى سكّة البراعة والتميّز والفرادة. إلى ذلك فإن انطفاء عينِ الرقيب وكفَّ يديه داخل هذه البيئة يحرّر المبدع جملةً من القيود والاعتبارات التي تحدُّ من انطلاق تجربته، فيندفع بكامل جرأته وباتّساع فرديّته يناوِشُ التخوم ويتعدّى بانفتاحٍ وإصغاءٍ يعبُّ ويستدخلُ من حوضِهِ الشخصي ومن الضفاف الأخرى بلا قلقٍ ولا توتّر ولا جهةٍ تشعرُهُ بالذنب أو تضيء اللون الأحمر. في منتهى الاستقلاليّة يشكِّل ويتشكّل، وتتمدّدُ الكتابة نضجاً وابتكاراً.

إحصائيّةُ العزلة.. إحصائيّةُ التدفّق

إبراهيم الحسين

إبراهيم الحسين

وللتدليل وبناء نموذج، أمامي تجربة الشاعر إبراهيم الحسين وهو كائنٌ مثالي للعزلة والانقطاع عن الإعلام الجديد حتّى العام 2013 الذي شهد انغماره في هذا الإعلام؛ العالم الجديد، فكتب خلاله ما يزيد على أربعمائة نص منها 142 نصّاً في كتابه الأخير «على حافة لوحة في المنعطف الموسيقي» (نشر مشترك: نادي الرياض الأدبي والمركز الثقافي العربي ـ 2014) وللمقارنة فإن الشاعر أصدر قبل هذا العمل أربعة كتب شعريّة يعود فيها تاريخ كتابة النصوص الأولى إلى العام 1989 التي انتظمها إصداره الأولى «خرجت من الأرض الضيقة» (كتاب كلمات، البحرين ـ 1992) بواقع 67 نصاً، يليه «خشب يتمسّح بالمارة» (دار الجديد، بيوت ـ 1996) بواقع 67 نصّاً أيضا، ثم «انزلاق كعوبهم» (نادي المنطقة الشرقية الأدبي ـ الدمام ـ 2007) بواقع 49 نصّاً، وأعقبَهُ بـ «رغوة تباغت ريش الأوراق» (النادي الأدبي في الجوف، سكاكا ـ 2011) بواقع 37 نصّا) بما مجموعه 220 نصّاً كُتبّت في بحر اثنين وعشرين عاماً. وهذا يعني إحصائيّا أنّ إبراهيم الحسين تدفّقَ شعريّاً في عامٍ واحد بما يكافئ عمرَهُ الإبداعي السابق حوالي مرتين. الأمر الذي نترجمه إلى أربعين عاماً فيما لو استمر بالإيقاع ذاتِهِ الذي كان عليه قبل قيامتِه من عزلته، وانخراطه بكامل أعضائه وروحه، وانغراسه غرساً في الشبكة العنكبوتيّة؛ ممّا دعاه أن يهدي كتابه الأخير إلى عائلته فرداً فرداً مشفوعاً برجاء «أن يغفروا لي ملاحقتي الكلماتِ المترحّلةَ وارتدائي ملابسَها الملوّنة، أكلي من طعامها، والنومَ في خيامها، وترديدي أغانيها.. الكلماتِ التي مرّتْ ذاتَ ليلٍ تحت نافذةِ بيتِنا بطبولِها ودفوفِها واجتذبتني بثيابِ النوم».‬‬‬‬

تقاطع باهر سيّال بالشعر

حافظَ إبراهيم الحسين، وعلى مدى عامٍ كامل، على إيقاع الكتابة وتواترها بطلاقةٍ نادرة وبانتباهٍ شديدِ الحساسيّة لالتقاط الحالة الشعرية ومعالجتها نصيّاً بمهارةٍ تشهدُ لها لغتُهُ التي لا تحتملُ إلا الشعر وتُقِرُّ بها تلك الظلالُ والزوايا؛ حيث النفاذ والظهور بمهارةٍ والتماعٍ وجِدّةٍ واختلافٍ وبِسِمَةٍ تقول إن هذا النص هو نص يخصُّ الشاعر وحدَه رغم المرجعيّات التي يتّكئ عليها بشكل مباشر وتشتغلُ مهمازاً يركضُ به إلى فردوس الكتابة؛ حيث انفتاح الذات الشاعرة يظلُّ متّصلاً ومندغماً بالخبرة الشخصيّة التي تتبدّى منذ استيقاظِهِ بشهيّةِ متحفّزة يكون فيها الصباح أوّلَ الوافدين إلى مائدته؛ إذْ كتبَ عشراتِ النصوص عن صباحهِ وموسيقاه وقهوته وتبغه وشارعِه بعصافيره وإشارات السير… دالفاً في الوقتِ نفسِهِ إلى «مختبر الكتابة» ـ هواهُ الأثير ـ تتأنسنُ معه الكلمات وتشرقُ في سريرِه وسريرتِه. إلى هذه الخبرة الشخصية تنضافُ الخبرةُ الخارجية المجلوبة من شتّى مصادر الجمال وجهاته؛ يتعالق معها بكفاءة. تحلُّ فيه ويحلُّ فيها، فـ «يتقاطع» معها تقاطعاً باهراً سيّالاً بالشعر، كما يتجلّى واضحاً وبهيّاً في كتابه «على حافة لوحة في المنعطف الموسيقي» الذي يتأسّس، في غالبية نصوصه، وبحسب عتبة التصنيف المصاحب للعنوان، على «تقاطعات» تستدعي إلى الوجدان وإلى الذاكرة نوعاً من الكتابة أُطلِق عليه «المعارضات الشعرية» التي تلتحم بأجمل القصائد في تاريخ الشعرية العربيّة؛ إحياءً واستلهاماً وتجديداً، غير أن الأمر في هذا الكتاب مختلف، حيث الاستدعاء ليس تاريخيّاً ولا محدّداً بأصل شعري هو القصيدة فقط. هنا الالتحام منفتح وعلى نحوٍ شديد الغزارة وفقَ صيغة العصر وما أنجزه عالم الاتصال من مساحة واسعة فتحتْها شبكة الإنترنت عبر ما وفّرتْهُ من وسائل التواصل الاجتماعي ومن مواقع إلكترونية تُعنَى بالشأن الإبداعي، وهذا، على التحديد، ما تقاطَعَ معه الكتاب. وكأنّ ثمة إعصاراً جماليّاً واجتياحاً إبداعيّاً تعرّضت له الذات الشاعرة؛ فجرى الاستبطان والتداخل وإعادة الإنتاج ليس على سبيل النسخ بل بإنتاج «أصل» ينتمي لتلك الذات ويعبّر عنها.. فالمتعة التي جرى تحصيلها وتسرّبت إلى الحواس؛ تظلُّ ناقصة وتحتاج إلى اكتمالٍ يظهرُهُ القولُ و»التقاطع».

علبةُ الحسين السحريّة

.. يلفي القارئ نفسَهُ قبالة حواسٍ في منتهى الشراهة وبتحريضٍ فائق. العينُ تغلي وتذهبُ بعيداً في اختراقها. الأذن تحتشد لابتلاع النغم، وأدنى الهمسات لا تفوتُها. الانتباهُ بعصبٍ مُستفَز يلتقطُ الذبذبات الخفيّة المحمّلة بجنين الشعر. إنها علبةٌ سحريّة مسترسلة في الالتهام والتذويب والتدوير والشحن والبلورة والاكتشاف. علبةٌ تحفل بدوار الألوان؛ مُرتشفَة ومقزّحة ومغموسة في لحم الحواس تريدُ خَتْمَ التملّك وعقدَ الاشتمال والإخصاب.

وقائع جماليّة تُزَوْبِع

إن الوقائع الجماليّة التي تزوبع حول إبراهيم الحسين من شخصيّات شعريّة وأدبيّة وفنيّة، ومن لوحات تشكيلية وفوتوجرافية ومن أفلام إبداعيّة، ومن موسيقى تسطو على الروح.. هذه الوقائع يتمُّ إسالتُها على العين الداخلية؛ على قماشها تُهرَقُ الألوان فيما فرشاة الكتابة تدوّن بعينها المغموسة في الأحلام ونداءات الذكرى؛ تعيد الرسمَ على الورقة التي تتجوّف وتمتلئ.. وتمتلئ. تتثبّتُ تلك الوقائع في إهابٍ خالص الجدّة والبهاء؛ مقبوضاً عليها تعصَى على التبدّد والامّحاء.

عالمُ «ما بعد الياء»

أتصوّر أن القصيدةَ الجديدة بهجرة مبدعيها إلى الإعلام الجديد في أشكالِهِ المتعدّدة إلكترونيّاً، قد عثرتْ على عالمِ «ما بعد الياء» في صِيَغِهِ المتكاثرة واللامنتهية والحافلة بالدهشة والمباغتات الجماليّة والمتجاوزة لأسوار التقليديّة وما ترتهنُ إليه من عاديّة إن في النظر أو أساليب الكتابة (… ما أبلغ الدهشة التي ستعتريك إذا ما حاولتَ المضي ما بعد «الياء» مطّلعاً على عوالم أخرى لا متناهية ـ سيوس: ما وراء الحمر الوحشية، نقلاً عن: عبدالستار إبراهيم، الإبداع.. قضاياه وتطبيقاته).

* ألقيت هذه الورقة في حلقة النقاش النقدية التي أقيمت ضمن جائزة السنوسي الشعرية في مدينة جازان مؤخراً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٩٤) صفحة (٢١) بتاريخ (٠٥-٠٢-٢٠١٤)