من استمع للكاتبة والروائية السعودية بدرية البشر في المحاضرة التي ألقتها بصالون الشيخ عبدالمقصود خوجة الأسبوع المنصرم، يكوِّن الوصف لها على أنها عالمة اجتماع أقرب من أن تكون قاصة أو روائية، رغم أن القارئ عرفها من خلال رواياتها «هند والعسكر، الأرجوحة، غراميات شارع الأعشى» فضلاً عن قصصها القصيرة «حبة الهال، نهاية اللعبة، ومساء الأربعاء» التي تُرجمت إلى اللغة الفرنسية، وفي سياق حديثها تعترف بانحيازها للأدب خصوصاً القصة لتسرد معاناة المرأة أمام سطوة الرأي الأقوى من الرجل – بحسب ما قالت – ووصايته لها في كثير من شؤون حياتها، وأوردت أنها وزميلاتها الصحفيات حاولن تحت إشراف أول مديرة تحرير سعودية «خيرية السقاف» تحريك الماء الساكن أثناء عملهن في صحيفة الرياض إلا أنهن فشلن بسبب هيمنة الرجل وتعمده القصدي في تهميش دورها الحيوي وإقصائها دون مبررات منطقية، ومضت في حديثها قائلة: إن الأصوات النسائية النابهة وجدت اختناقاً ذلك الوقت رغم محاولاتهن الاقتراب من خطوط التحدي بهدف اكتشاف الذات، ولم تغفل دور والدها الذي فتح أمامها فضاء واسعاً لتمر في عقبات التحدي، وبنبرات حزينة قالت: إن المرأة تعاني ممن يسعون إلى إضعافها بتحويل حقوقها إلى ورقة سياسية لتمرير ما يودون لا ما تود هي، مؤكدة أن المرأة يجب أن تأخذ حقوقها غير منقوصة دون الاحتياج إلى التصويت لها سواء في مجلس الشورى أو غيره، ودعت إلى ضرورة تأسيس عقل نقدي تقوم به المؤسسات التعليمية، لأن التعليم هو الذي يُعول عليه النهوض بفكر الشعوب مبدية استغرابها محاولة بعض حكومات الدول صناعة التخلف لشعوبها بقصدية متعمدة لتبقى ترسف في الجهل، معطية دلائل في كون البعض يتنازل عن صوته الحر لقاء حفنة رز أو جالون زيت، وتلك معضلة يعاني منها سكان الدول العربية والدول النامية، ووضعت مقارنة بين طلابنا وطالبتنا من جانب وطالبات الغرب من جانب آخر في كونهم واقعيين ويتكلمون بالمنطق وبذهنية تعيش التجربة، في حين نغرق في الخيال المجنح وننتج مفاهيم مُختلقة غير واقعية، وفوق ذلك نريد أن نصدق ذلك، وهي مشكلة كبرى أسسها التعليم الهش، وقالت إن الرأي الموحد وضع الكثيرين في سلة الآحاد مما جعل بعضهم يترك العمل الإبداعي لتتخلى الحدائق الثقافية من عصافيرها، إلا أن الحجر الذي حرك السكون جاء بعد أحداث 11 سبتمبر بمساندة الفضائيات فكان التغيّر الفعلي لفكر الناس مما أدّى إلى تخلخل وضعف الرأي المتشدد والتنازل عن الرموز.
وجاءت فحوى بعض الأسئلة في أعقاب المحاضرة في وجوبية أخذ المرأة كامل حقوقها بحيث يكون لها الدور الفاعل في المجتمع ولكن ليس بالأسلوب الذي يرين في أنفسهن أنهن مدافعات عنها لدرجة النضال. واتفقت الآراء على أهمية التعليم في كونه أحد أهم المرتكزات التي تؤسس لوعي مجتمعي عال على شريطة إعمال العقل وتنمية التفكير وعدم الارتهان للحفظ أو التلقين اللذين سببا إعاقة لفكر المجتمع وجعلاه عالة على المجتمعات المتحضرة استهلاكاً لكل الاحتياجات صغيرة كانت أم كبيرة. ورغم أن المحاضرة بدرية البشر نجحت في أن تكون عالمة اجتماع إلا أنها اخفقت لدرجة الفشل في أن تمنح جزءاً من الوقت المخصص لها أن تتحدث عن جماليات الرواية وتقنيات القصة القصيرة وربما يعود إلى الانحياز الظاهري للاجتماع والانحياز الباطني للقصة التي من أجلها جاء غالبية الحضور، والكثيرون منهم أصيبوا بخيبة في كون المحاضرة رنت إلى جوانب دفاعية عما يكتنف المرأة وبعضهم وصف حديثها بأنه مبالغ فيه إلى حد كبير وربما ثمة تأثيرات كانت سبباً في لوي عنق المبدع لينحو في جوانب قد تكون بعيداً عما ينبغي الحديث عنه. بل إن البعض قال: إن المحاضَرة ما هي إلا احتقان لما تراه أن الرجل جار عليها في تصريف حياتها، فأصبحت مقهورة تحاول استعادة حقها المستلب – بحد وصفها – واستحلاب التعاطف لدرجة الشفقة. تلك بدرية البشر ذات الصوت الطاغي إعلامياً التي وجدت اعتراضاً دولياً فيما سبق وإن طرحته في سياق رواياتها مما جعلها من أبرز الأسماء النسائية التي تحظى بمتابعة سواء من خلال ما تُصدره من روايات أو قصص أو ما تكتبه في زاويتها الصحفية تحت عنوان «ربما».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٩٩) صفحة (١٣) بتاريخ (١٠-٠٢-٢٠١٤)