يبدو أن المنطقة بدأت تتحصن ضد الحلول السلمية والتسويات التاريخية التي من شأنها إبعاد البلدان، التي تعاني أزمات مستفحلة ومتناسلة، عن تعميق الشروخات المجتمعية والطائفية والمذهبية التي حكمت الصراع في بعض المناطق. كأن الحل تمترس عند الإيغال في سفك الدماء وتدمير الاقتصاد وتعطيل العمليات السياسية المفترضة للخروج بتسويات يمكنها وقف هذا النزيف.
يتذكر كثيرون من المراقبين والقراء، كيف كانت الصومال أيام رئيسها زياد بري، الذي ظل يقفز من تحالف دولي إلى آخر أيام الحرب الباردة، تارة يقف مع الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية وتسهيل القواعد العسكرية البحرية والبرية والجوية لحلف وارسو، وعلى الأرض كان يوزع الكتب الحمراء فيطلب الاتحاد السوفييتي من الدول الحليفة ومن حركات التحرر في العالم الثالث دعم التوجه الصومالي إلى الاشتراكية على طريقة زياد بري. ولأن دوام الحال من المحال، فإن متقلب المزاج الذي لا يهمه أي كتاب يوزع في بلاده أو أي سفن حربية تقف في موانئ البلاد بقدر ما يهمه التمسك بالسلطة حتى آخر قرش في الخزينة العامة ومن ثم يبدأ في الاقتراض والبحث عن مشترٍ لمواقفه. وكان يردد دائما أنه هو الضامن الوحيد لأمن واستقرار ووحدة الصومال، مثيراً رعباً وفزعاً لدى معارضيه الذين يرون البلاد تغرق على يديه في الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتتأسس قاعدة عريضة لتفكيك البلاد. سقط زياد بري في العام 1991 وتفككت الصومال ودخلت في حمام الدم الذي لا يزال جارياً في حروب داخلية عبثية. بعض الموتورين قالوا: ألم يقل لكم الرئيس إن البلاد دونه سوف تتمزق؟ وكان المطلوب من الصوماليين أن يلتزموا الصمت على العبث الذي كان يفعله الرئيس المعزول والبطانة التي حوله.
لكن، ورغم عبثية التجربة الصومالية وعدم قدرة النخبة السياسية هناك على الخروج بأقل الخسائر بعد سقوط زياد بري، انتشرت فكرة صوملة البلدان العربية وتمزيقها، إما على أساس عرقي ومذهبي، كما يحدث في العراق وسوريا، أو على أسس قبلية ممزوج بها البعد المذهبي كما هو الحال في اليمن التي لا تزال تعاني في عنق الزجاجة ولم تحول توافقات الحوار إلى أرضيات وآليات لتنفيذ البرامج السياسية والاقتصادية ومواجهة استحقاقات المرحلة الخطرة، أو في مصر حيث كان الانشطار ولا يزال على أرضية الأداء الباهت الذي قدمه الإخوان المسلمون عندما تقلدوا الحكم وراحوا يحكمون بعقلية الجماعة حتى أسسوا أرضية إسقاطهم من الشارع والعسكر على حد سواء. ربما قدمت تونس النموذج الفريد في التوصل إلى خواتيم طيبة للأزمة بإصدارها دستورا عصريا قادرا على محاكاة التحديات التي تواجهها على أكثر من صعيد، وخصوصا إزاء التنمية المستدامة المتعثرة بعد سقوط زين العابدين بن علي. كما يمكن اعتبار المغرب أنموذجا مرضيا في سحب فتيل الأزمة عندما أقدم الملك محمد الخامس على تدابير قادت إلى تعديلات دستورية جوهرية، أقنعت أغلب القوى الفاعلة في حراك 20 فبراير الذي جاء متأثراً بالربيع العربي.
هل أصل الأزمات المستفحلة في البلدان العربية مذهبي أم طائفي أم قبلي أم عرقي؟
قبل الربيع العربي، حذر كثيرون من المتخصصين العرب والأجانب بأن ما يجري من فساد إداري ومالي في بعض البلدان العربية من شأنه أن يقود إلى كوارث. هذه التحذيرات لم تكن وليدة سنوات قليلة مضت، بل هي ممتدة منذ قرابة أربعين عاماً وأكثر في بعض البلدان، حيث كان المشهد واضحاً في تردي الأداء السياسي والاقتصادي وشيوع حملات القمع والإرهاب الرسمي في عديد من الدول العربية، الأمر الذي حول هذه البلاد إلى ما يشبه الجحيم، فزادت الهجرات للخارج وخصوصاً من العقول العلمية التي لم تجد ما تقدمه في بلاد يحكمها الخوف من المستقبل وتمسك أجهزة الأمن بكل مفاصل الدولة، كما زاد في المغرب العربي عدد الذين يموتون في قاع المحيط بسبب لقمة العيش. إن أصل الأزمة في النظم وليس في التنوع الذي تعتبره كثير من بلدان العالم مصدر قوة ورحمة، لكن استفحال الأزمات في بعض البلدان العربية جعلهم يصورون أن ما يجري هو اصطفافات مذهبية وطائفية وقبلية وعرقية!
هذا المشهد لا يمكن أن تدافع عنه النظم أمام التقارير الرسمية المحلية والدولية التي أجمعت أن غياب الديمقراطية واستفحال الفساد لم يعد قادراً على الحفاظ على السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي المهزوز أصلاً. والهروب لتفجير المجتمعات من الداخل وإلهائها بالخلافات المذهبية والقبلية لا يلغي فشل أغلب النظم العربية الرسمية في قيادة بلدانها نحو التنمية الإنسانية الشاملة والمستدامة التي تضع الإنسان وسيلة وهدفاً في آن واحد من أجل تحقيق متطلبات التنمية الحقيقية وليس التبجح بالنمو الاقتصادي المضروب في أحيانٍ كثيرة الذي لايمكنه تحقيق الاستقرار دون أن تعترف هذه النظم بأن الأزمة السياسية موجودة ومستفحلة وأن الأزمة الاقتصادية تأكل الأخضر واليابس. أما اللطم على تدخل الآخرين وأجنداتهم فإن ذلك مرده خيبة الأنظمة التي لم تحافظ على أمنها الداخلي ولم تحل أزماتها التي تحولت إلى كرة ثلج تهوي من أعلى قمة الجبل.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٠١) صفحة (١١) بتاريخ (١٢-٠٢-٢٠١٤)