ما إن أعلن الرئيس المصري المؤقت عدلي منصور عن تحديد موعد الانتخابات الرئاسية حتى بدأت التكهنات في الانزلاق إلى وسائل الإعلام وخصوصا وسائط التواصل الاجتماعي، وبلغت أوجها مع إعلان رئيس التيار الشعبي حمدين صباحي نيته خوض الانتخابات الرئاسية مستبقا إعلان ترشح قائد الجيش ووزير الدفاع الفريق أول عبدالفتاح السيسي، حيث جاء بيان المجلس الأعلى للقوات المسلحة مبطنا برغبة جامحة في خوض السيسي المنافسة التي من المفترض أن تنتظم في شهر مارس المقبل.
صباحي أعلن ترشيح نفسه، فأعلن مجموعة من قيادات حركة تمرد تأييدهم له، الأمر الذي قاد إلى تصدعات تبدو عميقة في الجسد الشبابي الذي كان رأس حربة التمرد على الرئيس المخلوع في 30 يناير والمؤيد البارز لعزل محمد مرسي في 3 يوليو وتسلم الجيش السلطة وصعود رئيس مؤقت إلى قمة الهرم. هذا التصدع في حركة تمرد الشبابية يعبر عن حالة المخاض التي تعيشها مصر ما بعد حكم الإخوان وصعود نجم الفريق السيسي، وبدء مرحلة جديدة من التقارب الخليجي المصري عبر مد الأخيرة بأكثر من 15 مليار دولار لتعزيز احتياطياتها من العملة الصعبة ووقف تدهور الاقتصاد الوطني الذي شهد تداعيات كبيرة في السنة الأولى من حكم مرسي، بسبب طريقة الإدارة بالعقلية الإخوانية من جهة ودور الدولة العميقة، من جهة أخرى.
لاشك أن معركة الرئاسة في مصر ستكون مفصلية من عدة نواحٍ أهمها أنها تأتي بعد إقصاء الإخوان وشن حرب شرسة على قياداتها وأنصارها، هاجم الرئيس المؤقت «العمليات الإرهابية التي شهدتها مصر مؤخراً «..» وأن الإرهاب وسيلة الضعفاء الذين لا حيلة لهم»، وقال إن مصر «سبق أن دحرت الإرهاب في الماضي وسندحره مجددا ونجتثه من جذوره وسنحارب القائمين عليه دون شفقة أو رحمة بعد أن تخلوا عن الوطن وابتعدوا عن صحيح الدين وأي قيم سماوية»، في إشارة غير مباشرة لجماعة الإخوان المسلمين. ولم يتردد الرئيس عدلي منصور في القول بأن «السلطات لن تتردد في اتخاذ ما يلزم من إجراءات استثنائية إن تطلب الأمر ذلك لمواجهة الإرهاب».
واستعدادا لمواجهة حركة الإخوان «طلب الرئيس من رئيس محكمة استئناف القاهرة زيادة عدد الدوائر القضائية التي تنظر القضايا المتعلقة بالإرهاب لتحقيق عدالة ناجزة وسريعة في معاقبة مرتكبي هذه الجرائم»، لكنه شدد على أنه «لا ينبغي أن يترتب عليها أي تجاوز في حقوق أبناء الوطن»، حسب ما تناقلته وسائل الإعلام.
وتأتي هذه التطورات في ظل أوضاع ليست مستقرة يعاني منها المجتمع المصري على الصعيد الاقتصادي والمعيشي فضلا عن الحالة السياسية القائمة. ففي تصريحات نارية وصف رئيس حزب مصر القوية عبدالمنعم أبو الفتوح «مرشح رئاسي سابق» أن ما يجري في مصر الآن هو كبوة لثورة 25 يناير ومحاولة للانقضاض عليها من قبل رجال النظام السابق الذين عادوا للانتقام ويصرون على سحق الحريات من أجل حماية مصالحهم وممارساتهم الفاشلة. وذهب أبعد من ذلك بقوله لوكالة رويتر «إن الشعب المصري سوف يغضب مرة أخرى.
وفي محاولة للنأي بنفسه عن الموقف المضاد للإخوان المسلمين حيث كان واحدا من كوادرهم القيادية قال أبو الفتوح «إنه سيكون من الصعب القضاء على جماعة الإخوان المسلمين التي نجت من حملات قمع على مدى عقود، داعيا الجماعة والجيش إلى التوصل لحلول وسط من خلال الحوار لتحقيق الاستقرار في البلاد.
أما في الجانب الاقتصادي، فإن المساعدات الخليجية التي يبدو أنها لا تزال جارية معززة بتقاطع المواقف من جماعة الإخوان المسلمين، فقد تدفقت المليارات من دول الخليج إلى الاقتصاد المصري الذي يواجه تحديات كبرى تتعلق بتراجع الاستثمارات التي تحاول دول الخليج إعادة بعضها ومنح قبلة الحياة لمفاصل الاقتصاد بمساعدات مليارية اقتربت من سقف الثلاثين مليار دولار منذ الإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين، الأمر الذي شكل انتعاشا، ولو مؤقتا للاقتصاد والسوق الداخلي وتمديد مدة الاحتياط النقدي لقرابة الثلاثة أشهر ببلوغه 17.7 مليار دولار، وهو الأمر الذي حدا بمؤسسة «فيتش» إلى منح تصنيف ائتماني مستقر بدلا من سالب للنظرة المستقبلية للاقتصاد المصري. بيد أن تقرير المؤسسة حذر من تداعيات الاعتماد على المساعدات الخليجية دون تحريك مفاصل الاقتصاد الوطني، حيث تصاعد الدين العام لتصل نسبته إلى قرابة 90 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، مما يشكل خطورة تسبب ضغوطات كبيرة على صناع القرار الاقتصادي في مصر، خصوصا إذا ما تم النظر إلى الوضع المتردي في سيناء حيث تزداد عمليات الجماعات المسلحة ضد الدولة، وحيث تتواصل احتجاجات جماعة الإخوان في عديد من المدن المصرية احتجاجا على اعتقال قياداتهم.
مواجهة النظام الجديد لجماعة الإخوان والسعي إلى اجتثاثهم سيكلف مصر كثيراً من الجهود والضحايا والأموال وعدم الاستقرار، وهو ما بدا يبرز في تصريحات أكبر حليف لنظام الإخوان، رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الذي لم يتردد في القول «إن مبادئنا الحزبية تجعل الاعتراف بانقلاب مصر أمر مستحيل»، وهو تصريح خطير يشي بمدى تدهور العلاقات بين القاهرة وأنقرة ويؤكد مدى ترابط القيادة الإخوانية على المستوى الإقليمي والعالمي، ما يثير كثيراً من التساؤلات إزاء ما خفي من الأحداث التي مرت بها مصر قبيل وأثناء الإطاحة بنظام محمد مرسي على يد الجيش المصري. كما يضع الواقع الجيوسياسي أمام تساؤلات جدية. فمصر التي يقترب عدد سكانها من التسعين مليون نسمة تتشابه كثيرا مع تركيا من ناحية الحجم السكاني، كما تتقارب مع إيران، التي تعزز العلاقات الاقتصادية والسياسية مع أنقرة، ليصل حجم التبادل التجاري إلى قرابة 30 مليار دولار، أغلب صادراتها من الجانب الإيراني عبارة عن صادرات نفطية، بينما تتنوع الصادرات التركية إلى إيران، وهو أمر مفهوم في ظل الحصار المفروض على إيران على خلفية الملف النووي.
المفارقة في الوضع الداخلي المصري أن الأزمة السياسية المستفحلة هي سياسية بامتياز، إذ يغيب الجانب الطائفي والمذهبي عنها، حيث لا مكان للأقباط في هذه الأزمة إلا ما ينالونه من تداعياتها، والخلاف بين القاهرة وأنقرة لنفس السبب، بينما التقارب الإيراني التركي هو اقتصادي وتجاري بالدرجة الأولى، ما قد يفضي إلى وجود قوة إقليمية قوامها أكثر من 150 مليون نسمة مؤسسة على المصالح الاقتصادية والسياسية والمالية وليس على الانتماء المذهبي.
إن الاضطراب الجيوسياسي الذي تعيشه المنطقة ينعكس بلا شك على مصر وهي تتهيأ لانتخابات رئاسية تعقبها انتخابات نيابية، كما يشكل تحديا للطبقة السياسية في كيفية معالجة خلافاتها بما لا ينزع الحقيقة عما يجري في مصر من إرهاصات ليست هينة، خصوصا عندما تتم المقاربة مع المغرب، رغم بعده الجغرافي، إلا أنه واجه تحدياته بكثير من الحكمة ووضع تعديلات دستورية عميقة قادت إلى الاستقرار النسبي الكبير، لكنه أقل من تونس التي صاغت دستورها الجديد بتحد كبير عندما تحلت القوى المختلفة بقدرة هائلة على البراجماتية نزعت فتيل الاحتراب بين القوى بإقراره بمساعدة أممية. لكن مصر لم تسر على الطريقة التونسية، بيد أنها تتهيأ لانتخابات يثار حول قانونيتها الجدل الكثير، ما يضاعف من جرعات التحدي أمام القوى الجديدة لتحقيق مطالب الشعب المصري في دولة العدالة الاجتماعية التي ثار من أجلها الجماهير المصرية. لذلك فإن معركة الرئاسة في مصر لن تكون نزهة، بل هي واحدة من المفاصل الأكثر أهمية في تاريخ هذا البلد العريق.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٠٣) صفحة (١٣) بتاريخ (١٤-٠٢-٢٠١٤)