«خاوية على عروشها». قال صاحبي ونحن نغامر باحتلال الشوارع العامة الخالية من البشر والسيارات التي كانت بالأمس متزاحمة على إشارات المرور بانتظار ضوء أخضر تطلق بعده العنان لدواليبها كي تلتهم الشوارع المهندسة بالمسطرة والقلم قي المدينة الأسيرة التي تتوزع أحياؤها على الحروف الأبجدية، ومبانيها الجميلة الجامدة تراقب أشياء لاتحدث في يوم استثنائي. يوم لا يريد أن يمضي بسلام، فتم الإعلان عن إغلاق المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، فالثاني عشر من فبراير كان يوماً غير عادي. باستثناء بعض الفضوليين، ونحن منهم، فقد كان حظر التجول سارياً برغبة الأهالي الذين فضلوا مراقبة المدينة من نوافذ منازلهم. فالنزول إلى الشوارع في هذا الوقت غير آمن ومحفوف بالمخاطر. كنت وصاحبي قد رتبنا مواعيدنا ليوم طويل يبدأ بالصباح الباكر وينتهي آخر الليل، لكن المواعيد قد ضربت وانتزعت بعد أن قرر الجنرال النزول إلى الشوارع وكل أحياء المدينة يحكم قبضته الفولاذية عليها.
يقال إن كثيراً من جنرالات جيوش ألمانيا والاتحاد السوفيتي والدول الأوروبية قد سقطوا في الحرب العالمية الثانية إما قتلى أو جرحى أو أسرى لدى العدو. وقد أراد هتلر أن يبادل جندياً هو ابن الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين بمجموعة جنرالات، معتقداً أن في قلب ستالين رحمة ترق على ابنه، لكن الفوهرر أصيب بخيبة أمل عندما جاءه رد الزعيم السوفيتي بالرفض والتمسك بقواعد اللعبة: جنرال بجنرال، وجندي بجندي حتى وإن كان ولد ستالين. حاصر الجيش النازي مدناً وأريافاً سوفيتية كثيرة، وكانت آلة الحرب السوفيتية تنتج في المصنع إلى جبهة الحرب مباشرة، وقد كتبت روايات في الملاحم البطولية التي خاضها السوفييت ضد النازية أتذكر منها «كيف سقينا الفولاذ».
أكثر من مرة تزحلقت لا إرادياً ونحن نسير في شوارع المدينة غير آبهين بالتحذيرات التي أطلقت والإجازات التي فرضت. ولأنها خاوية على عروشها، وحيث المكان مغطى بالأبيض، فقد فضلنا السير وسط الشوارع الخاوية إلا من تورط مجبوراً بالسير في هذه الأوقات الحرجة التي تعيشها المدينة الأنيقة. رأف أحد الذين رتبنا معهم اجتماعاً وقرر اللقاء بنا. بحثنا عن مقهى أو مطعم نجلس فيه إلا أن أغلبها كان موصداً أبوابه، إذ لم يتمكن الموظفون من الوصول إلى أماكن عملهم، حتى برز لنا مقهى مكتظاً، قابلنا موظفه بابتسامة نصر عريضة: أنتم هنا لأننا الوحيدون الذين فتحنا ذراعنا للريح ولكم. بادلناه الابتسامة بغبطة من يبحث عن دفء واستراحة محارب مرهق.
إنه منتصف النهار والمدينة لاتزال ناعسة ترفض الاستيقاظ كنرجسة متدلية بين أغصان تتلاعب بها الريح التي هبت دون استشارة أحد. قال صاحبي الذي يعشق ممارسة رياضة المشي: لنذهب قليلاً في تلك الشوارع البيضاء ونرقب القصر الرئاسي من بعيد ولنتأكد إن تمكن الجنرال من منع الرئيس من القدوم إلى مكتبه. صورنا وراقبنا الحركة في المحيط القريب من القصر وتيقنا أن الجنرال تمكن من القصر الذي كان هادئا إلا من جنود الحراسة غير الآبهين بما يجري في المدينة. حتى وقت متأخر من النهار، كان الرئيس نائماً أو قد أصابه ما أصاب المدينة من نعاس فجلس متثائباً يرقب مع شعبه ما يفعله الجنرال في المدينة. ولمَ لا فقد اطلع على قرار إغلاق المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية، وكانت عينا ابنته متسمرتين في النافذة الأخرى.
الجوع أبو الكفار. هكذا قيل فبدأنا البحث عن مكان يأوينا لإشباع البطون الجائعة والأجساد المصابة ببرد شديد. لم يكن هناك سوى زوربا الذي فتح ذراعيه مرحباً: أنتم هنا حيث العراقة اليونانية الضاربة في القدم، وحيث الموسيقى التي تصدح وتدفئكم بعظمة ألحانها. كان صاحبي مكتئباً أسفاً وحسرة على المواعيد التي ذهبت مع الريح عندما أحكم الجنرال قبضته على المدينة، وكأني به يصلي بينما كنا نحتسي الشوربة ندفئ بها بدنينا من البرد القارس الذي أخذناه في الطرق الخاوية. حاولت لفت نظره إلى الصور المكتظة على الجدران تحكي سيرة الجزر اليونانية التي بدأ عرض تأجيرها لمن يدفع أكثر تزامناً مع الأزمة المالية التي عصفت بها مؤخراًً وحولتها إلى رهينة في يد الدول الكبرى التي دفعت نحو 300 مليار دولار لإنقاذ البلاد من انهيار محقق سببه الجشع ولعب الأدوات المالية من قبل الكارتيلات الكبرى.
في الطريق إلى حيث نسكن، قلت لصاحبي كأن غمة الجنرال ستنقشع، في محاولة لتهدئته إزاء ما سيحل بمواعيد اليوم التالي. لم يعلق كثيراً، لكنه قال إن أرصادهم دقيقة، والمطر هاطل لامحالة فقد تنبأوا بأن جنرالاً سيحكم قبضته على أقوى مدينة وقد صدقوا وإن غداً سيكون يوماً بلا جنرال بعد أن يرخي قبضته ويرحل عن المدينة. في منتصف الليل جاءت الريح وأعقبها مطر غزير ظللت أرقبه من نافذة تطل على فضاء امتلأ بالثلج المتساقط منذ الليل الفائت.
هكذا بدت واشنطن يوم الثاني عشر من فبراير الجاري وهي تركع لقبضات الجنرال الأبيض المتراكمة من كل حدب وصوب، لكن المطر أنقذها من الجنرال «ثلج» الذي أسقط النازية عندما قرر منع جيوش هتلر من الوصول إلى موسكو. لقد كانت واشنطن خاوية على عروشها، كما قال صاحبي، الذي استبشر خيراً بأن مواعيد الغد قد تأكدت مع سقوط المطر الذي أزاح الثلج عن الطرق وفتح ممرات للمارة والمركبات لكي تواصل سيرها. كان يوماً طويلاً، لكن اليوم التالي كان جميلاً رغم البرد القارس والمواعيد المزدحمة.
في ذلك اليوم، ناغت واشنطن مدناً وأريافاً في الجانب الآخر من المعمورة، عندما أغلق الجنرال «ثلج» طرقاتها ومؤسساتها وجعلها أسيرة، ليأتي المطر منقذاً مستمتعاً بتذويب قبضات الجنرال التي أحكمت سيطرتها على المدينة التي قال عنها أبناء الولايات الشمالية: إنه غنج العاصمة المدللة التي يأسرها سقوط بضعة سنتيمترات من الثلج، لكن هؤلاء لايعرفون أن العاصمة الأقوى في العالم لا تتمتع ببنى تحتية تواجه مثل هذه القبضات الثلجية، ولذلك ركعت لقبضة الجنرال «ثلج».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٠٨) صفحة (١٥) بتاريخ (١٩-٠٢-٢٠١٤)