أخذت الزيارة الرسمية التي يقوم بها سمو ولي العهد الأمير سلمان بن عبدالعزيز هذه الأيام لإمبراطورية اليابان بعداً اقتصادياً وسياسياً واسعين لكونها ترتبط بدولتين ذواتي مكانة بارزة في الشأن الصناعي على مستوى العالم مما تأهلت وبجدارة لأن تكون ثاني دولة اقتصادياً بعد الولايات المتحدة الأمريكية، والأخرى هي المملكة العربية السعودية ذات أكبر منتج ومصدر ومخزون للبترول فضلاً عن كونها دولة محورية في الشرق الأوسط لما تتميز به من موقع جغرافي ووجود الأماكن المقدسة مما أكسبها بعداً دينياً وثقافياً مهمين، تلك المزايا وغيرها كالاستقرار الأمني والسياسي والتنامي الاقتصادي الذي تشهده كلتا الدولتين شكّلا لهما ثقلاً دولياً وأهمية سياسية واقتصادية، ولو نظرنا إلى اليابان لوجدناها تنامت في غضون عقود قليلة حيث خرجت مدمرة تماماً من بين أنقاض الحرب العالمية الثانية بسبب تعرضها للتدمير النووي إلا أنها خرجت كالمارد لتتبوأ المكانة المرموقة من بين أبرز دول العالم صناعياً، وأضحت هي المصدر الأهم لكثير من الصناعات وعلى رأسها صناعة السيارات والمعدات الثقيلة فضلاً عن تطورها في مجالي التقنية الزراعية والطبية مما جعلها تبتكر أساليب زراعية غيرت المفاهيم إلى أشياء جديدة ومذهلة من التهجين والتعديل وتصغير أو تكبير الثمار.
ولما تمثله هذه الزيارة من أهمية كبيرة لفتح آفاق واسعة لكلا الطرفين بتوفير شراكة في المجالات الصناعية والتقنية والتدريبية بما يحقق مصالح مشتركة وزيادة التعاون خصوصاً فيما يتعلق في الاستفادة من الخبرات اليابانية في المجالات البحثية المتنوعة.
ولو عدنا إلى تاريخ العلاقة بين الدولتين لوجدنا كما يقول الأمير سلمان بن عبدالعزيز في كلمته التي ألقاها أمام الوفود اليابانية بأنها بدأت منذ قرابة القرن حين جاء أحد اليابانيين لأداء فريضة الحج، لتُمنح فيما بعد اليابان امتياز التنقيب عن البترول السعودي في بدايات اكتشافه، وزاد تعزيز العلاقات الدبلوماسية من خلال الزيارات التي يقوم بها قادة البلدين من حين لآخر، ومما يلاحظ أن هناك قواسم مشتركة تتمثل في حرص كل من الحكومتين على الحوار وتشجيع أساليبه سواء على المستوى المحلي أم الدولي وقد أعجبوا كثيراً بدعوة الملك عبدالله لترسيخ حوار الحضارات والثقافات مما يؤكد أن اليابانيين يجنحون إلى السلم بعد أن تعرضوا إلى القصف الذي لحق بهم في حروبهم، كما أن الدولتين تتميزان بالاستقرار السياسي والأمني والتطلع إلى مستقبل زاه وبعيون متفائلة.
الزيارة الحالية إلى العاصمة طوكيو ليست جديدة بل سبق أن تقاطرت عدة زيارات بهدف رعاية هذه العلاقة وتعزيزها وبناء شراكة فعلية وها هي اليابان ترحب إدراكاً منها بدور المملكة على الصعيدين السياسي والاقتصادي العالميين.
وقد شكلت اتفاقية التعاون الاقتصادي والفني بين البلدين في عام 1975م حجر الأساس للعلاقات الثنائية حيث تضمنت عديداً من المرتكزات، كتنفيذ برنامج التعاون المشترك والتأكيد على أهمية دور القطاع الخاص في تعزيز العلاقات الاقتصادية الثنائية، والاتفاق على ضرورة تشجيع وتيسير التعاون بين القطاع الخاص في البلدين، والتعاون لتطوير علاقات التبادل التجاري والاستثماري في مجال النفط. ولمجلس الأعمال السعودي الياباني دوره الحيوي في تطور العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين، وتشير البيانات الرسمية إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين تطور بشكل متنام وبمتوسط نمو سنوي بلغ أكثر من 10% خلال السنوات العشر الأخيرة.
وستدعم هذه الزيارة تدفق الاستثمارات ، لزيادة الارتقاء بحجم التجارة البينية، وإقامة مشاريع استثمارية في ضوء الفرص المتاحة لدى الجانبين، وتحفيز القطاع الخاص على لعب دور أفضل في تنمية هذه العلاقات، بما يخدم المصالح المشتركة.
إن فتح منافذ أخرى تزيد من رصيد ومكانة الدول، ولا تجعلها رهينة لمن يرغب الاستغلال لمصلحة أحادية، وها هي حكمة الأمير سلمان تتجلى في ترسيخ العلاقات مع دولة ذات مكانة مهمة في الاقتصاد العالمي فضلاً عن توافق الرؤى السياسية بين البلدين بما يحقق السلام العالمي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨١٣) صفحة (١٥) بتاريخ (٢٤-٠٢-٢٠١٤)