لم يكن مفاجئاً للمراقبين وصول الأزمة الأوكرانية إلى نهاياتها المعروفة التي توجت بعزل الرئيس فيكتور يانوكوفيتش بعد عمليات القتل التي تمت بحق المتظاهرين، ودخول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بقوة على خط الأزمة، بعد تملصها من الاتفاق الذي تم بين الرئيس والمعارضة ووقعته بلدان في الاتحاد الأوروبي ورحبت به واشنطن، ليصبح هذا الاتفاق في خبر كان، خصوصا بعد عزل الرئيس ووضعه على قائمة المطلوبين «للعدالة». فقد تدحرجت كرة الثلج بسرعة وسحقت في طريقها كثيراً من المعطيات والمسلمات التي كانت قائمة ما قبل اشتعال الأزمة.
ولأن موسكو هي المعنية الأكثر بالأزمة الأوكرانية باعتبار أن هذه البلاد واحدة من الحدائق الخلفية لموسكو وكانت تشكل الجمهوريات السوفييتية السابقة، فضلا عن استخدام روسيا الأراضي الأوكرانية لتصدير الغاز إلى أوروبا، ما يضع موسكو في دائرة الفعل على ما يجري من إعادة صياغة تركيبة النظام السياسي الأوكراني حسب المقاسات الأوروبية. إن العاصمة الروسية تدرس عديداً من الخيارات السياسية والاقتصادية للتعامل مع المعارضة التي أطاحت بالرئيس المدعوم من موسكو. كما أن الإفراج عن خصم الرئيس اللدود يوليا تيموشينكو رئيسة الوزراء الأوكرانية السابقة، بعد أن أمضت سنتين كجزء من عقوبة مدتها سبع سنوات على خلفية اتهامها بالفساد والتورط في الاستحواذ على صفقات الغاز والنفط يشكل تطوراً آخر، وقد جمعت خلال الفترة من 1995 إلى 1997 ثروة تقدر بنحو أحد عشر مليار دولار، وكان زوجها يشاركها في الأعمال التجارية وهو لا يزال في محبسه بتهمة الفساد أيضاً.
بيد أن الموضوع أكبر بكثير من يوليا تيمونيشكو، ويصل إلى الصراع الروسي الغربي على جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. فأوكرانيا هي المرشح الجديد لدخول عضوية حلف الناتو الذي يراد منه أن يشكل طوقا على روسيا للجم طموح عودتها لتكون لاعباً دولياً كبيراً بعد أن سقط هذا الدور بانتهاء الحرب الباردة وانهيار الكتلة الاشتراكية وتحول الدول الاشتراكية نحو اقتصاد السوق. لذلك لا يبدو غريباً البتة دعوة أوكرانيا لحضور اجتماعات وزراء دفاع حلف الناتو في بروكسل بعد يومين حول دعم الأمن في أفغانستان، فمن المتوقع أن يتحول الاجتماع إلى دعم القيادة الجديدة التي فرضت نفسها خارج الأطر الدستورية والقانونية في كييف، وهو الأمر الذي سخنت له هذه القيادة بالإعلان عن حاجة البلاد إلى 35 مليار دولار لهذا العام والعام المقبل، فسارع الاتحاد الأوروبي للإعلان عن استعداده لتقديم 20 مليار يورو. صحيح أن هذه المليارات هي أكثر من مليارات موسكو التي أعلنت عن ضخها في الاقتصاد الأوكراني والمقدرة بخمسة عشر مليار دولار، إلا أن الصحيح أيضا أن أوكرانيا تعتمد اعتمادا شبه كلي على الغاز الروسي الذي يحرك مصانعها ويقيها من البرد القارس. وكردة فعل أعلنت موسكو على لسان رئيس وزرائها أنها ستراجع الاتفاقيات التي تمت مع أوكرانيا بما فيها اتفاقيات الغاز. وهي إشارة واضحة لطبيعة تعاطي موسكو مع كييف في هذه الأزمة. إن بعض هذه الاتفاقيات سوف يؤثر بشكل كبير على الوضع الاقتصادي الأوكراني ومنها اتفاقية تم التوصل إليها منتصف ديسمبر الماضي بين شركة «غاز بروم» الروسية وشركة «نفط وغاز أوكرانيا» وتنص على خفض سعر الغاز الروسي المورد إلى أوكرانيا من 400 دولار لكل ألف متر مكعب إلى 268.5 دولار لكل ألف متر مكعب، وقد بدأ العمل بالاتفاقية الجديدة منذ مطلع العام الجاري.
لكن روسيا ليست مطلقة اليد في أوكرانيا، حيث يمر جزء مهم من الغاز المصدر منها إلى أوروبا عبر الأراضي الأوكرانية. وهي «روسيا» تعتبر أكبر منتج للغاز في العالم الذي يبلغ 655 مليار متر مكعب سنوياً تليها الولايات المتحدة الأمريكية بـ545.9 مليار متر مكعب، وتصدر موسكو إلى أوروبا 150 مليار متر مكعب سنوياً وهو رقم يعادل القدرة التمريرية لمنظومة نقل الغاز الأوكرانية، لكن كييف لا تستثمر إلا نسبة 60% وهذه قضية خلافية بين البلدين، حيث تمكنت موسكو من فرض اتفاقية على كييف مفادها «خذ أو ادفع».
أرادت أوكرانيا تخفيف الصداع القادم من روسيا، ووعدت شعبها بالاعتماد على نفسها في إنتاج الغاز من خلال الاستثمار في حقولها النفطية ووضعت خطة مدتها سنتان لكي تنفذ ذلك الوعد، إلا أن الموضوع ليس بالبساطة في دولة لا يزال الفساد يستشري فيها للدرجة التي يمكن لموظفة أن تجمع ثروة مقدارها 11 مليار دولار ثم تصبح رئيسة وزراء.
في الجانب الآخر، وحيث تعلن روسيا تحالفها مع النظام السوري في صراعه مع المعارضة والجماعات المسلحة، فإنها تقف على الضد من الدول الغربية التي تريد إسقاط النظام وتورطت في التعاطي مع القاعدة وتفريعاتها في سوريا، فشكلت الجماعات المسلحة خطراً على الدول التي جاء منها المقاتلون بما فيهم أولئك القادمون من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، فصدرت قرارات من تلك العواصم لحماية أمنها الداخلي بعد أن تضع الحرب أوزارها ويعود المقاتلون إلى بلدانهم. بالنسبة لموسكو ليس هذا الذي يزعجها في الموضوع، فأغلب هؤلاء المقاتلين جاءوا من الدول العربية والخليجية وبلدان أوروبا الغربية وأمريكا، وقد تستخدم روسيا هذه الحالة كورقة تضغط على العواصم الغربية، خصوصا وأن الاحتراب الدموي بين تفريعات القاعدة قد وصل إلى مستويات التصفيات الجسدية وحروب السيارات المفخخة.
ربما تقود تداعيات الأزمة الأوكرانية إلى تكشير الدب الروسي عن أنيابه في الساحة السورية فيذهب بعيداً في دعم حلفائه لحسم المعارك في منطقة يعتبرها منطقة حيوية لمصالحه. كما أن روسيا الجريحة في كييف لديها من الإمكانيات ما يؤهلها للعب أدوار قد تكون أكبر من قدراتها الاقتصادية والسياسية مستفيدة من الأوضاع الاقتصادية والمالية المنكمشة في الدول الغربية. وفي كل الحالات فإن معركة كييف لم تنته بعد، وليس من المرجح أن يسلم الرئيس فلاديمير بوتن بالهزيمة في حديقته الخلفية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨١٥) صفحة (١٣) بتاريخ (٢٦-٠٢-٢٠١٤)