(4)
الآن،
سنرى في الرواية الحديثة في العالم، ما يجعل الفن الروائي سياقاً حراً خارج السرد التاريخي، بالرغم من الانطلاق منه في كثير من التجارب المهمة. غير أن الكاتب يذهب إلى تأليف تاريخ جديد ومختلف عن الوثيقة المتصلة بالواقع نفسه وبالأحداث ذاتها أيضاً.
إنك لا تستطيع العثور على أية مدينة باسم «ماكندو» في رواية غابرييل ماركيز «مائة من العزلة»، لا في المكسيك ولا في عموم قارة أمريكا الجنوبية، بالرغم من أن الكاتب يسرد حياة عائلة ممتدة عبر أكثر من جيل في تلك المنطقة من العالم.
الآن.
في نموذج آخر من الرواية الجديدة، سيصعب علينا الزعم أن أمين معلوف قد خضع للسرد التاريخي للرواة العرب، بالرغم من أن عنوان الرواية (الحروب الصليبية كما رآها العرب) يشير مباشرة إلى رؤية العرب لتلك الحرب. بل من المتوقع فعلاً أن لا يعجب الكثير من العرب بالسرد الذي يسوقه معلوف في نصه. ولعل لهذا الروائي خصوصاً في معظم أعماله، مرجعية تاريخية، وأحياناً وثائقية، لكنها ما إن تبدأ في سردها حتى تنطلق مخيلة الروائي لتخلق سياقات درامية وشخصيات تنحرف عن السجل التاريخي المعروف (إذا كان معروفاً).
الآن،
سنرى للعديد من أجمل روائيي الكتابة العربية، (سليم بركات الإبداع المتطرف لجماليات ابتكار ميثولوجيا الكائنات الكردية، وأمين صالح لإبداع جماليات مخلوقاته غير المسبوقة، لكي لا أشير إلى نماذج، تجارب ونصوصاً تذهب إلى أقصى الشطح السردي، مستمتعة بمنجزات التحرر السردي الحديث، مما يتيح للنص الجديد فضاءً لانهائياً لابتكار الرواية الجديدة، بمعزل عن وهْم الواقع، ذهاباً إلى سبر أعماقه من دون الوقوف عند سطوحه وقشرة متغيرات أحداثه اليومية.
(5)
مناسبة هذا الكلام، هو التسابق، بتسارعٍ قلق، عند بعض شباب الرواية العرب، في اتجاهيَ، تسجيل الظواهر الاجتماعية، (الجنس والدين) من جهة، وأحداث الحراكات الشعبية، ريبورتاجات، يوميات، وتفاصيل مجريات الأحداث من جهة أخرى، مما يؤدي إلى إنتاج نصوص، هي كناية عن تقارير منفعلة بلا سَبرٍ ولا شخصيات حيوية، ولا عوالم خاصة، ولا تحولات رؤيوية.
مناسبة هذا الكلام، هي الخشية من أن هذا الاندفاع الجارف للأجيال الجديدة من الكتاب، فيما يكتبون الرواية الآن، في غمرة التفجرات الحياتية للمجتمعات العربية، قد يؤدي إلى وقوع هؤلاء تحت وهْم (التعبير) عن هذه الأحداث، بزعم الاستباق. معتقدين أن في هذا التعبير (الواقعي) إخلاصاً للحظة تحققهم الأدبي، فيما يغفلون عن أن في هذا امتثالاً لشرط سياسوية التاريخ، وهو أيضاً تنازلٌ ساذجٌ عن المنجز الجميل للرواية الحديثة من جهة، ومن جهة أخرى، التفريط في حرياتهم الفنية. أكثر من هذا، فبهذا الامتثال، خصوصاً، إنما يعيدون الفن الروائي إلى بواكيره القديمة، عندما كان السرد الروائي خادماً أو عبداً للواقع بوهم تاريخيته. متنازلين ومفرّطين في مجمل التحرر الإبداعي الذي أنجزته الرواية منذ بداية القرن العشرين.
الخشية أيضاً، أن هذا يجعلنا نستهين بمكتسبات الفن الروائي الحديث، ونحن نسجل (حرفياً) ما يحدث حولنا برغبة تصوير الحياة، متناسين عن أن الحياة في الفن هي مغايرتها، بل ونقضها بحياة أكثر عمقاً وحرية وحيوية.
(6)
يبقى إذن إعادة النظر في مفهومين يثيران القلق النقدي بين وقت وآخر. مفهوم الرواية التاريخية، لئلا يخضع بعضنا إلى شرط الامتثال للتاريخ عندما يتعلق الأمر بالنص الأدبي. ومفهوم الرواية الواقعية، لمواصلة (تنظيف) النقد الأدبي من ثقافة الأدب الملتزم، التي مازال تداولها ماثلاً بلغةٍ تتراوح بين الجهل والمكر الأيديولوجي.*

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨١٥) صفحة (١٩) بتاريخ (٢٦-٠٢-٢٠١٤)