تدور بنا الأيام وتطوي صفحات عمرنا السنون، ويتقدم بنا العمر نحو الشيخوخة والكهولة، وتصير أيامنا التي مضت من الذكرى؛ سواء كانت هذه الذكرى جميلة أو محزنة، وكل منا قد مرت به ذكريات كثيرة، قد تتفاوت تلك الذكريات من شخص إلى آخر حسب شخصيته ونوعية عيشه، وكذلك حسب ركونه إلى الهدوء أو الغضب.
ونحن العرب قلّ من يكتب منا مذكراته اليومية؛ سواء كانت ذكريات يومية أو أسبوعية أو حتى شهرية؛ لأن هذه الثقافة مغيبة عن أذهاننا تماماً؛ نظراً لعدم وجودها فيمن سبقنا ولم نكتسبها منهم بوصفها موروثاً ثقافياً لابد من القيام والعمل به و يحضرني في هذا الصدد قول بعضهم: العلم صيد، والكتابة قيد، فإذا ضاع القيد ذهب الصيد.
كثيراً ما نشاهد الغربيين أثناء سفرهم وتنقلاتهم متأبطين مدوناتهم يُدونون فيها كل ما يشاهدونه على شكل نقاط صغيرة، وأيضاً المواقف التي يصادفونها، ومن ثم يعيدون كتابتها كاملة، ويدونون ذكرياتهم التي سوف تصبح جزءاً من الماضي؛ لأن أي حدث أو مشاهدة لا يتم تدوينها في وقتها قد تنتسى والاعتماد على تذكر الماضي قد يفقد جزءاً كبيراً من تلك الذكريات، تصبح شبه مبتورة، فهذه الذكريات في نظرهم لها أهمية عظمى قد تفيد الأجيال القادمة عندما يقرأونها ويطلعون عليها، فإنهم يتعرفون إلى جزء كبير من تاريخ أسلافهم، وكذلك كيف كانوا يعيشون سواء كانت حياتهم مريحة أو تعيسة، وقد يستفيد أغلب الباحثين في الشأن الاجتماعي من تلك التدوينات التي صورت لهم الماضي على حقيقته ومن هم عاصروا تلك الفترة.
وما يميز الغرب عنا في هذه الناحية أنهم غرسوا هذا المفهوم في أذهان أجيالهم من خلال حثهم على القراءة الدائمة والتدوين ما أمكن ذلك لأي موقف يصادفهم ويفهمونهم أنهم بعملهم هذا ينقلون تراثاً وتاريخاً لمن يأتي بعدهم يأخذون منه الدروس ويستقون منه العبر.
يذكر المؤرخ الإسلامي الكبير (محمد أسد) في كتابه ( الطريق إلى مكة) وهو يتحدث عن حلم قد رآه في المنام أنه كان يضع ورقة وقلماً بجانب رأسه ليتسنى له تسجيل أحلامه التي حلم بها في الليل عندما يفيق من النوم ؛ خوفاً من نسيانها بعد قيامه من النوم ، وكان غرضه قراءتها والتأمل فيها وتحليلها إن أمكنه ذلك. فهل عمل أحد منا ذلك؟ ما أود أن أشير إليه في هذه المقالة هو أننا غير مبالين في تدوين تاريخنا اليوم ، وتراثنا الحاضر، ومقصرون تماماً في هذا الجانب المهم في حياتنا، على الرغم من أهميته، ولو تسأل أحداً منا عن ماضيه والمواقف التي مرت به وذكرياته العطرة قد يرويها لك وتستمتع بسماعها، وعندما تسأله : هل دونت هذه الذكريات الجميلة؟ يقول لك مع الأسف: ( لا)؛ لأن ذلك يُعدّ من وجهة نظر كثيرين عملاً غير مجدٍ ولا ينفع، ولا يعلمون أنهم بعملهم هذا يحرمون غيرهم من الاطلاع على تراث وتاريخ مهم في حياتهم؛ لأن تلك الذكريات ثروة حقيقية لا يستهان بها، وإذا تم حفظها والسماح فيما بعد لأجيالنا بالاطلاع عليها فإنها وبلا شك سوف تزيد من ثقافتهم وتغرس فيهم حب التدوين أسوةً بمن سبقهم.
ومن أجمل كتب التأريخ التي تقرأ هي كتب الرحلات؛ لأنها تمثل أساساً مدونات شخصية تم تدوينها من قبل رحالة قاموا برحلات في الشرق والغرب، وأصبحوا يدونون مشاهداتهم والمواقف الصعبة التي واجهتهم؛ سواء في أثناء ركوب البحر، أو السير في البر، أو مواقف خطرة، أو وصف لحالات شاهدوها من زواج أو فرحة بعيد أو أي مناسبة اجتماعية، فهم نقلوا لنا تأريخاً اجتماعياً لا يقدر بثمن من خلال وصفهم الدقيق للحالات التي يصادفونها، وتُعد كتب الرحلات من أوثق الكتب التاريخية دقة وصحة في نقل المعلومات ؛ لأن كاتبها كان يكتب مشاهداته وذكرياته ، ولذلك تجد تلك الكتب بعيدة عن التزييف أو المديح أو التزلف ، ففي قراءتها تحصل المتعة والقيمة العالية.
ومن هنا أدعو الجميع ونفسي إلى تعويد أنفسهم وأولادهم على تدوين ذكرياتهم والمواقف التي تصادفهم؛ سواء كانت تلك الذكريات جميلة لهم أو العكس، وسواء كانت تلك الذكريات داخل الوطن أو خارجه، وسيجد الجميع عند العودة إلى تلك الذكريات وقراءتها المتعة والشعور بأنها كنز ثمين، وقد يلمس مدى التطور في كتابة ذكرياته من فترة إلى أخرى، وكيف أن أسلوبه قد تغيّر مع مرور السنين ويربط بين أحداث تلك الذكريات، وقد يقيس التغير الذي حدث له وغيره من الفوائد الجمة للتدوين، ولعلنا نتذكر جيداً بناتنا في الماضي عندما كنّ يحضرن معهن (Autojreph الخاص بهنّ أو بإحدى زميلاتهن عندما كن يدرسن في المراحل المتقدمة ويدونّ كلاماً خاصاً بينهن ومدى ارتباط بعضهن ببعض وغيره من التدوينات الجميلة، وكيف أصبحت تلك المخطوطات الأصلية غالية لدى من حافظت عليها؟ وتتذكر زميلاتها في الماضي وهي سعيدة أنها تحتفظ بذكريات جميلة عن صديقاتها.
كذلك المشايخ الأجلاء والأدباء والمفكرون مروا بمواقف كثيرة وبحياة صعبة، حيث نحتوا الصخر، وصبروا على شظف العيش السابق، وتعلموا ودرسوا حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه ؛ فهذه الذكريات لابد من اطلاع الأجيال عليها حتى يكونوا نبراساً لهم في حياتهم يتعلمون منهم ما يفيدهم من أمور الدنيا، وكذلك حل كثير من المشكلات التي قد تواجههم، فالوصول إلى المعالي ليس بالأمر السهل وإنما بالنحت فوق الصخر، وكم من عالم جليل ومفكر قدير ذهب ورحل إلى ربه دون أن يدون مراحل حياته وهذا ما نعاني منه من أغلب الأعلام لدينا.
ختاماً قد يقول بعضهم : ماذا ندون ؟ هل ندون الذكريات الجميلة أو المؤلمة ؟ فأقول: إن التدوين بحد ذاته شيء جميل وقد لا يروق لك أثناء تدوينك ، ولكن ربما يروق لك كثيراً فيما بعد وستشعر بسعادة كبيرة بأنك دونت مراحل حياتك وأحلامك ومواقفك التي صادفتك أثناء حياتك، وسيطلع عليها أبناؤك ويتعلمون منها مايفيدهم في حياتهم ويساعدهم على اقتفاء أثرك فبذلك يرتقون سلم المجد كما فعل آباؤهم وأجدادهم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨١٨) صفحة (١٤) بتاريخ (٠١-٠٣-٢٠١٤)