منذ قرابة ست سنوات قدّم مجلس التنمية السياحية رؤية لتنمية السياحة في منطقة الباحة تقوم على خمس ركائز بهدف صناعة سياحية فاعلة، تراعي الجوانب الاجتماعية والثقافية والبيئية، وكانت الفكرة بحد ذاتها ألمعية لكونها تصب في مصلحة الوطن والمواطن، لاسيما وأن المرتكزات الخمس تتعلق بجوانب ذات قيمة عالية تهيئ فرصة لخيارات سياحية وتعليمية واستشفائية لتصبح الباحة بمكونها الطبيعي والبشري ذات جذب سياحي متميز.
وحين طرح مجلس التنمية السياحية بمنطقة الباحة هذه الرؤية، اتسعت مساحة التفاؤل بأن هناك أشخاصا قادرين على تفعيل التفكير خدمة للمجتمع، وكانت الركائز تتعلق بإعادة تأهيل وسط مدينة الباحة، مع استثمار الموارد التراثية والثقافية والطبيعية، وإنشاء استراحات ريفية، ومدينة تعليمية..
وأعرف أن أمانة المنطقة قدّمت رسومات تخّيلية وتصاميم هندسية لما سيكون عليه وسط الباحة من مبان سكنية وتجارية وفنادق وشقق مفروشة ومطاعم ومقاه وساحات عامة وممرات للمشاة وأماكن للترفيه، وأنداح خيال كثيرين بأن وسط مدينة الباحة سيضاهي المدن العالمية الحديثة لجودة التصميم وروعة الهندسة، إلا أن شيئا من ذلك لم يتحقق في تلك السنوات التي انصرمت سوى هدم بعض المباني، وبقيت الآمال محصورة بين أضلاع الأحلام.
أما الركيزة الثانية فهي تتناغم مع مميزات الباحة باستثمار مواردها التراثية والثقافية التي غشيها الإهمال بعدم الاستثمار الحقيقي، عدا قرية ذي عين التراثية التي وجدت شيئا من ذلك، وبنسبة لا تُحقق الطموح، أما وسط بلجرشي التاريخي وطريق الفيل والمواقع التراثية الأخرى فهي في طريقها للتهدم بفعل عوامل التجوية من رياح وأمطار وإشعاع شمسي، ومنطقة الباحة بدءاً من بني عدوان شمال المنطقة مرورا بالباحة وصولا إلى بالشهم يوجد فيها عشرات القرى التراثية القديمة التي هجرها سكانها واتجهوا إلى مبان حديثة، بمعنى أن الفرصة موجودة بتأهيلها وبشكل تدريجي حفاظا على مبانيها الحجرية تحسينا وتطويرا لتكون مواقع جذب تراثي وسياحي جميلين.
ننتقل إلى المتنزهات الطبيعية ويمكن القول إن منطقة الباحة بكاملها عبارة عن حديقة كبيرة، إذ يوجد بها ما يزيد على أربعين غابة تتفاوت في أحجامها وتتفق في نوع الأشجار (العرعر، الطلح، الزيتون البري) وقد حظي متنزه رغدان بشيء من الاهتمام فيما تنتظر نظيراتها في ظهر الغداة بدوس والقمع ببلجرشي وشدا بتهامة والزرائب بخيرة وغيرها التفاتة جيدة استثمارا لهذه الغابات التي أوجدها الخالق عز وجل على قمم وسفوح جبال السروات، أما الاستراحات الريفية فهناك نموذج بارز استراحة «الزيتونة» للدكتور صالح عباس التي تعد أنموذجا جميلا قام به، حيث استزرع أشجار الزيتون المنتجة وأنشأ مباني ذات طابع معماري تقليدي، ووفّر ملاعب مزروعة، وعلى الرغم من ذلك الجهد الفردي إلا أن صاحب الاستراحة يحتاج إلى دعم ومزرعته إلى تطوير، مع التشجيع لإقامة أكثر من استراحة وفي مواقع يتم اختيارها بين السهل والجبل والصحراء لتخدم كافة أرجاء المنطقة، أما الركيزة الخامسة فقد تحققت بوجود مباني جامعة الباحة الحديثة، ونتمنى أن تتفرد جامعة الباحة في جانب علمي يجعلها تستقطب الدارسين من داخل المملكة وخارجها لاسيما وأنها تحظى برعاية الحكومة من خلال الميزانية التي تُقارب المليار ريال.
الباحة كنز سياحي تحتاج إلى التفاتة من الجهات المعنية وستكون المنتجع الأجمل خصوصا أنها تتميز بالتنوع الطوبوغرافي ما بين الجبل في السروات والسهل في تهامة والصحراء في العقيق، كما تُعتبر واسطة العقد بين مدينتي الطائف وأبها، ويحلو للبعض وصفها بمدينة الضباب وأخت السحاب.
الباحة تنتظر الأجمل والأحلى في قادم الأيام.
ومضة: أهالي المساكن المحاذية لمتنزه رغدان يعانون ضعف خدمة STC وعلى الرغم من المخاطبات المستمرة من الأهالي لتحسين هذه الخدمة إلا أن شيئاً من الوعود لم يُنفَّذ بحجة صغر المقسم الذي يغذي ذلك الموقع ولمّا كانت الخدمة الهاتفية ذات احتياج ضروري، ولكون شركة الاتصالات هي المستفيد الأول، فالأهالي يتطلعون إلى الاستماع إلى صوتهم وتوفير الخدمة التي يحتاجونها دون الإسراف في الوعود من قبل إدارة الشركة وعدم الوفاء بها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٢٠) صفحة (١٥) بتاريخ (٠٣-٠٣-٢٠١٤)