«كان ذلك ذات ليلة من ليالي سنة 1972، حيث داهمت البيت قوات متعددة، كانوا حوالي ستة عشر من رجال البوليس، والعسكر ورجال الدرك بمنزلي لاعتقالي. لا أعرف ما كان يجري في الساحة السياسية، طرقوا الباب عليَّ الساعة الثانية عشرة ليلاً.. قفز زوجي من مكانه لأنه أدرك أنهم زوار الليل، فهرب من السطح. وبهستيرية غريبة انهالوا عليَّ بالضرب والصفع والركل، فتشوا جميع أنحاء البيت واتهموني بتهريب الزوج. كانت الوجبة الأولى منذ فتحت الباب حيث نزلوا عليَّ ركلاً ورفساً واتهموني بأني تباطأت في فتح الباب لكي أمكِّن الرجل من الهروب. لقد اعتقلوني مباشرة أنا وأطفالي الصغار وأخي وزوجته، وانتزعوا مني ابنتي وكان عمرها آنذاك ست سنوات، ولم يبالوا بصياحها ولم يتوانوا عن تعذيبي أمامها وهي تصرخ وتنادي: أمي.. أمي. لقد توجهوا بي مباشرة إلى معتقل سري هناك، حيث قضيت اثني عشر يوماً في الاستنطاق والتعذيب يومياً. كانو يلجأون إلى تهديدي بالمسدس حين يستعصي عليهم الأمر، ولا يصلون إلى أجوبة تتعلق بمكان زوجي، وعلاقاته وأماكن اختفائه، وهذه أشياء لم يكن لي بها علم (..) الاعتقال الثاني اقتحم منزلي من جديد يوم 3 مارس 1973 وتفتيشي والاستيلاء على حليِّي وممتلكاتي.. كان الجوع: أي الحرمان من الأكل طوال الساعات وأحياناً الأيام، فقد يمر يوم بكامله دون تلك الوجبة من الماء والخبز اليابس أو من صحن العدس أو الفول الذي تسبح فيه الحشرات. والشيفون وهو عبارة عن وضع قطعة من الثوب على الفم والأنف مبللة بالمواد الكيماوية الكريهة مما يحبس الأنفاس ويدعو إلى القيء والاختناق.. كان كل هذا بالإضافة إلى الاستنطاق حصتنا اليومية. ظلت ابنتي تجوب الشوارع، ولا تجد لها معيلاً وهي ابنة سبع سنوات. ولم يكن أحد من الناس يستطيع إيواءها نظراً للإرهاب السائد في المدينة. طال التعذيب شهرين ثم ثلاثة، ثم لم يعد العد ممكناً أو مجدياً».
هذه سيرة أربع عشرة امرأة أطلسية قبل أربعين عاماً، تختصر في سيرة واحدة منهن، وحين تضاف لها سيرة إحدى عشرة امرأة من اللاتي حصلن على جائزة نوبل للسلام ابتداءً من برنا فون شوتنر التي حصلت عليها عام 1905، حتى شيرين عبادي التي حصلت عليها في عام 2003، التي كتبت «أحاول أن أحفر على جدار الإسمنت بيد الملعقة، بأننا وُلدنا للعذاب لأننا وُلدنا في العالم الثالث. الزمان والمكان مفروضان علينا، فلنتحلَّ بالصبر. ليس أمامنا خيار آخر». لكن هذا اليأس لا تتشارك فيه نساء نوبل مثل ألفا ميردال التي حازت على الجائزة عام 1982، فهي صاحبة مقولة «الاستسلام ليس جديراً بالإنسان».
أن تكون المرأة قادرة على تحمل كل هذه العذابات، وتسير مرفوعة الرأس وتهز بيدها العالم وفي اليد الأخرى تحتضن أغصان الزيتون، فإنها تتحول إلى ضرورة حياتية لا يمكن وضعها على الرف. فتلك المرأة كانت تحمل في أحشائها حياة جديدة، بينما هي تواجه الموت تعذيباً وتحقيراً وإهانة، دافعة ثمن مواقف زوجها الذي يراد تصفيته وتيتيم أطفاله. تلك سنوات العتمة المبهرة التي كانت تسمى سنوات الجمر والرصاص، حيث كانت ولاتزال المرأة في عمق ويلاتها، وكأنما يعاد إنتاج التاريخ بطريقة المأساة والمهزلة، حين كانت الخنساء تخاطب إخوتها القتلى «فلولا كثرة الباكين حولي لقتلت نفسي»، بعد أن هالها عدد القتلى من الرجال وكثرة الأرامل والثكلى من النساء.
في العراك الراهن الذي تشهده المنطقة العربية، تدفع المرأة أثماناً باهظة بوصفها أماً وأختاً وزوجة، فضلاً عن كونها محط نظرة دونية تعبِّر عن طبيعة العلاقة معها على أكثر من مستوى في المجتمع. فمن حرمانها من الحق الطبيعي كمواطن له كامل الحقوق وعليه كامل الواجبات، إلى تحملها وزر الأوضاع السياسية والمعيشية ومسؤولية أطفالها عندما يكون الزوج مغيباً، إما في ساحة الوغى أو مقتولاً فيها ولا يُعرف له طريق، أو أنه يواجه الموت في مكان ما.
إن هذا الوضع لا يمكن أن يستقيم بالطريقة التي تُحرم المرأة من حقوقها، وتعاقب لأن أحداً من أبنائها أو زوجها قد اختط طريقاً محفوفاً بالمخاطر والمغامرات. فالعقوبة شخصية، وليس من العدل أن تمتد هذه العقوبة إلى المرأة إن لم يعاقب زوجها أو ابنها أو أيٌّ من أقاربها، ذلك أن الشرائع والقوانين الوضعية جرَّمت مثل هذه العقوبات التي وإن كانت تمارس وتنفذ في قرون سابقة ظلماً، فإنها لا يمكن أن تطبق في العصر الراهن الذي تقوم فيه المرأة بأعمال عظيمة لا تقتصر على تربية الأبناء، بل تمتد إلى توفير لقمة العيش لهم وتربيتهم أحسن تربية. أليست الجنة تحت أقدام الأمهات؟! إذن لمَ تمارس العقوبة ضدها وهي مصدر المغفرة والرضا وهي عمود الأسرة التي ينبغي أن تكرَّم بطريقة حضارية وإنسانية تعبِّر عن حالة الرقي التي ينبغي على المجتمع التمتع بها. صحيح أن الأم تيريزا حصلت على جائزة نوبل نظير أعمال كبرى قامت بها، وهي التي واجهت الحياة الصعبة بعد موت مفاجئ لوالدها، لتبدأ الأسرة رحلة عذاب بحثاً عن لقمة العيش وخدمة الناس التي أتقنتها الأم تيريزا في كثير من البلدان، لتتحول إلى عَلم من أعلام المشاهير.
وإذا كان هذا نموذجاً لعمل الخير، فإن التاريخ العربي الإسلامي يزخر بكثير من النماذج التي ترتقي لأن تكون نماذج يُحتذى بها في العمل الإنساني الذي يهدف إلى تقديم روح الإنسان الطيبة ولجم الشر فيها. لكن هذه النماذج لا يمكن فصلها أو عزلها عن واقعها المعيش، وعلاقة المرأة فيها ومكانتها التي يبدو أن اهتزازات كبيرة قد حصلت بعد أن تعمقت النظرة الدونية لها من خلال تحويلها إلى مرفهة عن الزوج أو عن المزايدين في سوق السياسة والقتال داخل وخارج بلدانهم، لتشكل هذه الحقبة من تاريخ الأمة انعطافة سلبية تجاه المرأة التي هي نصف المجتمع. وحين يكون هذا النصف يواجه الخلل والتعنت في النظرة الدونية له فلابد للمجتمع أن يصاب بالعلة والمرض. فنحن أمام استحقاقات اقتصادية واجتماعية وسياسية، ينبغي لكافة فئات المجتمع القيام بها بما فيهم المرأة، وأي تخلف عن هذا الواجب من أي فئة سينعكس سلباً على المجتمع برمته. لكن ما يلاحظ من خلال التقارير والوقائع والمعطيات يشير إلى أن واقع المرأة في المجتمعات العربية والإسلامية يتدهور بطريقة متسارعة تفسر ما يجري من تدهور وانكماشات حقيقية في الواقع الاقتصادي والاجتماعي وتخلف هذه المجتمعات عن ركب العصر ومتطلباته التنموية التي لا يمكن أن تستقيم إلا بإنصاف المرأة. وهذا هو التحدي الراهن والمستقبلي. فبعد أربعة عقود لا ينبغي أن تعاد قصة الأربع عشرة امرأة المسرودة في بداية الحديث.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٢٤) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٧-٠٣-٢٠١٤)