حين دلفتُ بوابة معرض الرياض الدولي للكتاب، وبدأتُ السير عبر ممراته المخصصة للزائرين والزائرات، ودققتُ النظر فيمن جاء من أجل التزود بمعين الثقافة، ونهر العطاء الفكري، لم أجد أحداً من الشباب في معية أوصياء الفكر، فهم يختارون الكتب وفق رؤيتهم وميولهم الثقافي، لذا أيقنت بأن تلك الدعوة الهامشية التي أطلقها أحد الراغبين في السيطرة على العقول عبر موقع «تويتر» لم تجد آذاناً مُصغية، وكان صداها ضعيفاً وهشاً، إذ إن المناخ الفكري والثقافي والأدبي للشباب هو ما يؤهلهم لدحض تلك الدعوات التي يطلقها البعض بهدف إضعاف حرية الفكر لدى الأفراد في اختيار ما يريدون لا ما يريد الآخرون بالنيابة عنهم، فالوصاية الفكرية حق مشروع للشخص ولا يمكن غلق منافذ الهواء الصحي عنهم. وبحمد الله يسير المعرض وفق ما يأمله أي مثقف أو مثقفة حيث يتجول الزائرون والزائرات في ردهات المعرض يختارون ما يشاؤون من كتب، إذ حمل المعرض ما يزيد على عنوان ما بين الديني والثقافي والتاريخي والاجتماعي وبعض الكتب تناقش إرهاصات المستقبل، وأخرى تتحدث عن الحاضر بما يكتنف المجتمع العالمي من مشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية وبيئية، وهناك كتب تُبيّن أهمية التقنية الحديثة في حياة الناس، فيما تجيء الروايات في المرتبة الأولى حضوراً وإدهاشاً، حيث تشد أهداب العيون لمختلف الأطياف، وكان معرض الرياض حديقة غناء موسمية، يحتوي مختلف مشارب الثقافة والفكر والأدب والعلوم والمعارف، والأجمل ما يحظى به من حركة تسوُّق شرائية تنمُّ عن رغبة أكيدة في القراءة بصفتها المدماك الحقيقي لرقي الأمم ونهوض الحضارات. وزاد من بهاء المكان تخصيص جناح للمؤلفين السعوديين الذين طبعوا مؤلفاتهم بطريقتهم الخاصة ووجدوا نافذة مُضيئة تستقبل تلك الإصدارات، وهذا ما يؤكد حرص إدارة المعرض على إفساح المجال للجميع، فيما لوحظ اختفاء بعض دور النشر التي كانت ذات حضور في سنوات مضت كـ(دار الجمل)، مما أعطى فرصة لدور نشر أخرى فرصة كسب الرهان لاستقطاب مرتادي المعرض المتعطشين للقراءة الواعية، ولمّا كان المعرض بهذا الحضور الكبير من جميع شرائح المجتمع فإن فكرة توسيع دائرته مطلب ضروري، خصوصاً أن المدن الكبيرة قادرة على استيعاب ونجاح فعالياته كمدينتي (جدة والدمام)، وهذا التوسع ستكون له فائدة عظيمة لمن لم يستطِع المجيء للرياض، بحكم ظروف عمله من أجل الاستفادة من الكتب التي تعرضها دور النشر المشاركة من جميع دول الوطن العربي، المعرض كان حافلاً ليس فقط باقتناء الكتب بل أيضاً بفرص توقيع الكتب الحديثة التي زاد عددها على 250 إصداراً جديداً، وهذا التدشين يدل على وجود حركة فكرية وثقافية تُحسب لمثقفي الوطن وتدل على وصولهم إلى مكانة مرموقة بين مثقفي الوطن العربي. اللافت للانتباه أن كثيرين يبحثون عن الروايات الجديدة على اعتبار أن الرواية أحد أهم الروافد التي تعكس ثقافة المجتمعات، مما حدا بأحد المفكرين إلى أن يقول: إذا أردت التغلغل في معرفة مجتمع، فعليك بالروايات الصادرة عنه، ويقول الناقد العراقي الدكتور عبدالله إبراهيم: الرواية هي الظاهرة الأدبية الأكثر أهمية في الثقافة العربية الحديثة، ويضيف: إن الرواية العربية المعاصرة تقوم بتمثيل سردي لأحوال المجتمعات العربية، وهي بذلك تعرض بحثاً سردياً في الصراعات السياسية والمذهبية والعرقية، كما تعرض بحثاً مجازياً موسعاً في الأحوال الفردية بما في ذلك الهويات والآمال والحريات.
لذا حرصت كثير من دور النشر على عرض ما أنجزته في طباعة الروايات التي تتفاوت في المعمار التقني والفني والبناء السردي من رواية لأخرى.. وتظل الرواية الأصيلة هي التي تحظى بالاهتمام وتفوز بسبق البيع، ومن الأمور الجميلة الحضور الجيد للروايات السعودية، مما أعطى ويعطي دلالة على تمكن بعض الروائيين والروائيات السعوديين من كسب رهان التحدي والوصول إلى مكانة مرموقة.
ومما يزيد المعرض ثراءً ما تقوم على هامشه من فعاليات ثقافية سواء في داخل المعرض أو في الإيوان الذي يجد اهتماماً من المشاركين في المناقشة والحوار للمواضيع المطروحة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٢٧) صفحة (١٣) بتاريخ (١٠-٠٣-٢٠١٤)