راق لي كثيراً مقطع تم تداوله في اليوتيوب وصلني عن طريق «الواتساب» يروي تجربة نجاح شاب سعودي في مجال العمل التجاري، هذا الشاب «اسمه فارس هاني التركي» متخرج من جامعة الملك عبدالعزيز في جدة قسم هندسة صناعية، وحاصل على درجة الماجستير من بريطانيا تخصص إدارة أعمال، وقد تحدث هذا الشاب عن تجربته في تأسيس مطعم خاص به يقدم أنواع الإفطار إلى زبائنه، حيث أطلق عليه اسم» فطور فارس»، ويذكر أن فكرة المشروع التي تحولت إلى واقع كانت بسبب عدم تناوله إفطاره في كل صباح، وعند مراجعته الطبيب نصحه بتناول الإفطار في كل صباح، وأصبح يغرد على «تويتر» وهو يتناول إفطاره، ويذكر نوع إفطاره لمتابعيه؛ مما جعل متابعيه يعملون هاشتاق لفطور فارس، ومن هنا تولدت الفكرة لديه، وبدأ بدراسة فكرة المشروع والجدوى الاقتصادية له، والوسائل التي يمكن أن تسهم في نجاحه وهكذا صار الحلم واقعاً وحقيقة مشاهدة، حيث تم افتتاحه في محافظة جدة، ويذكر أيضاً أنه واجه صعوبات كثيرة في بداية افتتاح مشروعه، منها: قلة خبرته في إدارة المطاعم وأنواع المأكولات، وكذلك وجد ممانعة قوية من أسرته لعدم اقتناعهم بهذا المشروع، وربما لأنه بعيد عن تخصصه وخافوا من عدم نجاحه، إلا أنه استطاع تجاوز كل تلك الصعوبات وحلها من خلال طموحه القوي وثباته على إنجاح مشروعه ليثبت للجميع قدرة الشباب السعودي على تقديم عمل ذي جودة عالية يرضي جميع الأذواق.
ومن خلال حديثه أرسل «فارس» عدة رسائل مفيدة جداً وذات أهمية كبيرة لأقرانه من الشباب مصدرها صاحب تجربة ناجحة، أهمها: أنه وضح الفرق بين شاب ينتظر استلام مرتبه آخر الشهر وشاب هو الذي يصرف مرتبات عماله آخر الشهر، وقال أيضاً: إن من أهم عوامل النجاح في الأعمال الخاصة مراقبة عملك بنفسك، والاستماع إلى زبائنك بكل احترام؛ لأنهم هم مرآتك في إصلاح عملك وعنصر مهم في نجاحه وتطويره نحو الأفضل، كذلك لابد من تقديم الشيء الجديد المختلف عن الموجود، أي: الابتعاد عن التقليد وهذا عامل مهم من أهم عوامل النجاح بعد توفيق الله سبحانه وتعالى، وأخيراً الاستفادة من خبرات الذين من حولك من الأصدقاء والأقارب وغيرهم؛ لأن في المشورة فائدة كبيرة تسهم في نجاح أي مشروع.
عموماً هذه تجربة أحد الشباب الواعدين الذين شقوا طريقهم بجهد فردي وبفكره الخاص فكانت تجربته ناجحة وعرضها للجميع لعل أحداً يستفيد منها.
من هنا لعلنا نطرح تساؤلاً مهماً وهو: لماذا تجذر فينا نحن -السعوديين- الاهتمام بتوظيف أبنائنا في الوظائف الحكومية أو الخاصة؟ ولماذا لا نحاول دفعهم نحو الأعمال الخاصة ذات المجالات المتعددة والوفيرة في بلادنا؟
من المعروف أن الوظائف الحكومية هي مصدر أمان للموظف، ولكنها تقضي على طموح الشباب وإبداعاتهم وابتكاراتهم وتطورهم نحو الأفضل؛ لأننا بتوجيهنا الشباب إلى التوظيف نقضي على الإبداع والنشاط والحيوية والتجديد الذي بداخلهم، فالبلدان المتقدمة هي أقل الدول توظيفاً للشباب في المؤسسات الحكومية، وهذا هو العمل الصحيح الذي يجب أن نتبعه نحن في خططنا المستقبلية وهو: تشجيع شبابنا للانخراط في الأعمال الخاصة المتوافرة والمتنوعة، وفتح المجال في تدريبهم لمن أراد ذلك تدريباً صارماً وقوياً ودون مقابل، ومن ثم دعمهم بدراسة مشاريع تتناسب وتتوافق مع توجهاتهم وطموحاتهم، ودعمهم مادياً في تأسيس مشاريعهم المستقبلية، وعدم التضييق عليهم بكثرة الطلبات التعجيزية التي تجعلهم يُجبرون على ترك تلك المشاريع والعزوف عنها وتركها لغيرهم من الوافدين، وعدم التفكير في طرح مشاريع أو أفكار جديدة في مجال الأعمال الخاصة.
الشباب لديهم طاقة كبيرة تحتاج إلى من يكتشف تلك الطاقات؛ فشبابنا لا يختلف عن شباب أي أمة متقدمة، بل إنهم قد يتفوقون على غيرهم لأنهم متسلحون بالقيم والمبادئ النبيلة المستمدة من ديننا الحنيف التي تحث على الجد والعمل بإخلاص وتنهى عن الغش والتدليس والخداع، لذا ينبغي على الجهات الحكومية أو مؤسسات القطاع الخاص أن تشجع وتدعم شباب هذا الوطن من الجنسين ومساعدتهم في تأسيس مشاريع خاصة من خلال تذليل الصعاب وعدم وضع العراقيل أمام طموحاتهم حتى يستطيعوا الوقوف على أقدامهم والدخول في سوق العمل بكل اقتدار، إننا نريد أن يكون هذا واقعاً عملياً وليس من خلال المحاضرات والندوات والتنظير عبر شاشات التلفاز ليتمكنوا من منافسة الوافد المسيطر على معظم المشاريع المتوسطة والصغيرة، والقضاء على التستر المزمن الذي نعاني منه جميعنا.
وسوف أختم مقالي هذا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قدم عليه شخص يسأله مالاً، فسأله الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم: «ما لك مال» فقال: لا فأعاد عليه السؤال مرة أخرى مؤكداً عليه، فقال السائل: عندي «حلس»، أي: سجادة ـ نجلس على بعضه ونتغطى ببعضه، وقدح نشرب منه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ائتني بهما» فجاء بهما فعرضهما رسول الله على من كان عنده قائلاً: «من يشتري مني هذين» إلى أن باعهما بدرهمين،رفأعطاه إياهما، وقال له: اشتر بأحدهما طعاماً لعيالك، واشتر بالآخر فأساً، ثم قال له: «اذهب واحتطب ولا أرينك إلا بعد خمسة عشر يوماً» فعاد إلى الرسول بعد المدة التي حُددت له ومعه دراهم، فقال للرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم: بارك الله فيما أمرتني.
وهذا توجيه من نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم بالسعي في طلب الرزق والاعتماد على النفس دون تكاسل أو كلل أو ملل ضع أمام ناظريك قول أستطيع.. فالفشل نجاح متأخر، والخطأ صواب متنكر، والليل نهار لو تصبر، ولنا في رسولنا وحبيبنا محمد القدوة الحسنة في حثه الشباب على العمل والجد والمثابرة والإخلاص حتى نستطيع أن نوجد جيلاً من الشباب يتسيدون السوق وهم من يديرونها ويعملون على تطويرها بما يخدم اقتصاد الوطن ويطوره .

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٣٩) صفحة (١٢) بتاريخ (٢٢-٠٣-٢٠١٤)