قليل من المدن تترك أثراً كبيراً في نفسك ليس بطول المدة التي تقضيها، إنما بشفافيتها المدنية وملامحها الفائضة بالحسن، وروحها النابض، كذلك بمخزونها التاريخي، فللمدن ملامح مثل ملامح البشر، بعضها تسبي نظرك وتتجذر في شرايينك وتجعلك تتماهى في خيالات جميلة ربما لمشاهدة الوجوه الكادحة وهي تعزف إيقاع صلابة الحياة، وربما لرؤية السواقي وهي تنشد معزوفة الماء لإرواء سنابل القمح أو أغصان الزيتون والبرتقال، وأحياناً لصناعات تراثية تختزن الزمن لتقدم لك مسرحاً تاريخياً نابضاً بالفن والإبداع والجماليات، أو لرؤية أكمام الأزهار وهي تداعب بعضها في سيمفونية جذلى، أو لمشاهدة جدول صغير يترقرق ماؤه كالفضة، أو انبثاق لحظات التجلي عند رؤية نهر عظيم تنساح مياهه إلى شاطئ البحر، أو لافتراشها رمالاً ذهبية وتغدو البيوت كلآلئ بيضاء، أو لمعانقتها مياه البحر في حميمية بالغة الحنو، وبعض المدن رغم ضجيج شوارعها أو حتى تسامق مبانيها واتساع ميادينها فقد تمر عليها مرور الكرام وكأنها قوارير عطرية جوفاء وضعت على «بترينة» في معرض فقط لتحدث «التماعات» مع الأضواء، ومع ذلك تمر بجوارها دون أن تملأ بصرك أو حتى تتأملها ..إذن للمدن وجوه مختلفة ومتباينة، ومن أجملها ذات الموروث التاريخي والاجتماعي بحيث تتماهى في ذاكرة التاريخ لتُشكّل لوحات فنية عتيقة مملوءة بالصناعات اليدوية المتقنة، وتفيض وجوه الأهالي بالبشر رغم شظف العيش، مثل تلك المدن تتسرب في شرايينك كتسرب العطر الذكي إلى أنفك أو كتسرب المياه الشفيفة بين حقول الحنطة لترتوي وتزيدها اخضراراً وبهاءً، وتظل صورتها راسخة في ذهنك، منطبعة في خيالك، تشدك نحوها وتتواصل العلاقة بينك وبينها لتصبح جزءاً من اهتماماتك، تحرص على قضاء إجازتك بها، استمتاعاً بعبق هوائها وانثيالات جمالها، لاحت لي هذه الصور الماتعة عن أسرار المدن حين شاهدت رسومات تخيّلية لقلب مدينة «الباحة» اعتليت حائطاً أبيض بمقر أمانة الباحة، وقفت أمامها منبهراً لما ستكون عليه المدينة في قادم الأيام، ورغم ضخامة المباني وعلوها واكتساء واجهاتها بالألواح الزجاجية والقطع المرمرية، إلا أنها افتقدت شيئاً مهماً وهي الخصوصية العمرانية لمباني قرى منطقة الباحة، وكأن المهندس أو المكتب الاستشاري الذي قام بهذا العمل استوحى المدينة من «عندياته» دون النظر إلى المكتسبات التراثية بالمنطقة ليوظفها بالشكل الذي يحقق التناغم بين القديم والجديد، ومضى على تلك اللوحات الهندسية سنوات وكنا نتوقع أن يتحقق شيء على أرض الواقع فبقي قلب المدينة كما هو سوى هدم بعض المباني لتشكل تنافراً مع ما حولها فلم تبق بشكلها السابق، وفي الوقت نفسه لم تستمر عملية التطوير والتحسين، وبالقياس الزمني من بدء فكرة التحسين نلحظ بأن ذلك سوف يستغرق زمناً طويلاً، ربما لأجيال قادمة.
ومدينة الباحة بشكل مجمل لوحة جميلة تتموسق في قمة عالية من جبال السروات، تحتضنها الجبال من جميع الجهات، وتتخللها الأشجار وكأن المدينة غُرست وسط خميلة خضراء تتنفس عطر النباتات الجبلية وتستلذ برذاذ الضباب الذي يداعبها صباح مساء في فصلي الربيع والشتاء، وتبتل شرفات بيوتاتها بماء المطر وتختال كعروسة فاتنة المحيا لتضمك بدفئها وتبوح لك بشيء من أسرارها، وتدعوك للتجوال في متنزهاتها «رغدان» والزرائب وشهبة» وغيرها وتمنحك فرصة الإطلالة الباذخة من شرفات جبالها لتطالع تلك الانحدارات الجبلية في تهامة حيث زاد الوئام بعد تنفيذ مشروع طريق العقبة لتصل إلى قرية ذي عين التراثية التي تستحم بماء يترقرق في أوردة الأرض لتمنح أشجار الموز والكاذي شدواً جميلاً يسري بين الشعاب كسيمفونية مترعة أنغامها بالحسن.
ولما كانت الباحة بهذا الحسن فإن تكريس الاهتمام بها وجعلها مكاناً يستريح بها السواح والمصطافون وعشاق الطبيعة يستمتعون بما حباه الله لها من جمال طبيعي، من مسؤولية الهيئة العليا للسياحة والآثار وأمانة المنطقة، على اعتبار أن السياحة صناعة بكل ما تعنيه من دلالات ولن يتحقق لها النجاح إلا بتكامل كل العناصر المعززة لهذا الشأن وأبرزها ملامح وجه المدينة..

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٤٨) صفحة (١٣) بتاريخ (٣١-٠٣-٢٠١٤)