بهدوء انتهت القمة العربية الخامسة والعشرون في الكويت، خلافاً لما بدأت به من تحضيرات وتشنجات كادت أن تطيح بها قبل انعقادها بسبب الخلافات العربية العربية التي بلغت حداً لم يعد السكوت عليه من ذهب. القمة التي عُقدت تحت عنوان براق «التضامن من أجل مستقبل مشرق»، لم تكن في وارد تطبيق هذا الشعار بسبب الخلافات البينية المستحكمة، وبسبب غرق أغلب الدول العربية في أزماتها الداخلية، ما قاد الأمين العام للجامعة العربية الدكتور نبيل العربي، إلى تخصيص فقرة عن الواقع المزري، حيث قال في كلمته الافتتاحية «تواجه الدول العربية تحديات ذات صلة بالأبعاد الاقتصادية والاجتماعية المتداخلة، وخاصة منها ما يتعلق بخفض معدلات الفقر وتدني نوعية التعليم والاختلال الحاد في الهياكل الاقتصادية وشح المياه والتصحر وازدياد معدلات البطالة خاصة بين الشباب. فالشباب يشكل الأغلبية الكبرى في مجتمعاتنا العربية، ويلعب الدور الأبرز في الحراك السياسي والمجتمعي، ويتطلب الأمر إنهاء شعور الشباب بالتهميش، بل ضرورة تمكينهم وتوظيف طاقاتهم الهائلة في عملية بناء وتحديث مجتمعاتهم ودولهم حتى لا تهدر هذه الثروة الجبارة».
يكفي أن يتحدث الأمين العام للجامعة العربية عن هذه التحديات التي لم تكن وليدة اندلاع الربيع العربي قبل أكثر من ثلاث سنوات، بل إنها نتيجة للسياسات الرسمية التي اتبعتها بعض النظم العربية منذ عقود، حيث غابت الاستراتيجيات التي من شأنها إيجاد تنمية مستدامة قادرة على مواجهة تحديات العصر، بدلاً من البحث عن جنازة ليتم اللطم فيها على الحال الذي وصلت إليه الأمة. إن أغلب البلدان العربية تعاني من عدم وجود سياسات تنموية تستهدف الإنسان، وتغيب عنها مراكز الدراسات والبحث العلمي المستقلة والإحصائيات المنتظمة، كما تغيب الشفافية والإفصاح، الأمر الذي أدى إلى ضياع البوصلة وفقدان الاتجاه الصحيح، حيث يواجه المجتمع العربي واحدة من أصعب حقبه إزاء تراجع مدنية المجتمعات العربية وغرقها في الفقر والديون الخارجية والداخلية، واستنزاف خدمة الدين العام للمداخيل المحدودة أصلاً وعدم قدرة بعض النظم على مواجهة هذه الاستحقاقات. لقد تكشفت الدمامل التي كانت مخبأة في أمكنة ولا يراد لأحد معرفة تفاصيلها. ولأن المحاسبة والمكاشفة غائبة فقد تضاعف الفساد بطريقة مرعبة خلال العقود الأربعة الماضية، فقد زاد الدين على الدول العربية من 4.3 مليار دولار في عام 1975 إلى 161 مليار دولار في عام 1999، وواصل زيادته إلى 189 مليار دولار في عام 2008 ليقفز في عام 2009 ليبلغ 663 مليار دولار، واستمرت الزيادة لتلامس تريليون دولار حالياً، فيما ارتفعت خدمة هذه الديون بطريقة متوازية مع ارتفاع الدين، لتسجل الدول العربية أرقاماً قياسية في هذا الجانب، الأمر الذي عطل مشاريع التنمية، غير الموجودة أصلاً في الخطط، وزاد من البطالة والفقر والأزمات المعيشية، التي أدت في خلاصة الأمر إلى وصول جيل الشباب إلى حوائط صد منيعة قادت عديداً منهم إلى الانحراف المتعدد الأوجه، ومنه الانزلاق للأفكار التكفيرية التي ترفض الآخر.. أي آخر.
هذه معطيات فاضحة، ولا يمكن إخفاؤها بغربال. فأغلب الدول العربية مفلسة لا تستطيع دفع رواتب وأجور موظفي القطاع الحكومي فيها إلا من خلال الاستدانة من الداخل أو الخارج، وهي بهذا تزيد حجم الدين العام قياساً بالناتج المحلي الإجمالي، فتتفتق الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهذا لا يتحمله المواطن العادي الذي لم يسأل عن كيفية صرف المال العام، بل إن الحكومات تتحمل الوزر الأكبر الذي وجدنا تداعياته في بلدان الربيع بعد أن كشف الغطاء عن جزء مهم من مواطن الخلل التي أشار إليها الدكتور نبيل العربي في سياق حديثه في افتتاح القمة. وهي مواطن خلل ترتقي إلى مستويات خطيرة على وحدة كل مجتمع وعلى التضامن العربي الذي رفعت القمة شعاره ولم يلتفت إليه أحد بسبب عدم واقعيته وتمازجه مع المرحلة الراهنة التي تعاني من تطاحنات بينية لن تؤدي إلا إلى مزيد من التفكك في بنية الجامعة العربية.
أما بالنسبة للشعوب العربية فقد سئمت من مثل هذه القمم التي لا تنتج ما يراعي مصالحها، ولذلك وقبل بدء أعمال القمة وجدت فضائيات عدة توجه سؤالاً عن مدى جدية القادة في اجتماع الكويت، وقد جاءت أغلبها بالسلب. بل ذهب كثير من المواطنين العرب في وسائل التواصل الاجتماعي إلى التندر على هذه القمم، وطالب بعضهم بالتوقف عن الضحك على المواطن العربي بمانشيتات لا حول لها ولا قوة، تدغدغ مشاعر الناس لكنها لا تستطيع توفير فرصة عمل جديدة واحدة.
ربما تكون مكاشفة النظم العربية مع شعوبها هي الوسيلة الأصح لمعالجة مكامن الخلل المتراكم، الذي أزكم الأنوف لتكاثر الفساد وبروز فئات تقتات وتعتاش على الأزمات الداخلية بعيداً عن المصالح الوطنية والقومية العليا. هذه الفئات ليس من مصلحتها وضع حد للنزف الذي تعاني منه أغلب الدول العربية التي تحولت إلى طاردة لأبنائها بسبب عدم قدرتها على توفير العيش بالعزة والكرامة التي تحدث عنها أيضاً أمين عام جامعة الدول العربية. ولا يمكن لقمة عربية أن تحقق نجاحات جدية ما لم يجرِ الالتفات إلى مسألة إشراك المواطن في صياغة قراره السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فما حدث خلال العقود الماضية من إهمال شبه كامل للتنمية المستدامة تتضح نتائجه الآن على شكل استفحال الفقر والبطالة والمرض وتهاوي مستوى التعليم إلى درجات دنيا لا يمكن لها انتشال الوضع المريض إن لم تُجرَ عمليات جراحية كبرى للواقع القائم في أغلب البلدان العربية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٥٢) صفحة (١٢) بتاريخ (٠٤-٠٤-٢٠١٤)