حضرت مؤخراً القمة العربية التي عقدت في الكويت، وكنت وكغيري من الحضور أفكِّر في كتابة مقال سياسي عن الوضع الدامي الذي تعيشه الأمة، ولقد سبقني من هم أفضل وأعمق وأقدر، وكان لزاماً عليَّ أن أطرق باباً آخر كي أدخل منه للقارئ، كنت بحاجة للخروج عن المألوف، والنظر إلى القمة من زاوية أخرى، لكن لا مناص للعودة مرة أخرى للواقع، فلا شيء يتغيَّر في تلك القمم، ولا نتائج ترتجى إلا ما ندر.
وضعت في موقع بارز لوحة رائعة كُتب عليها شعار القمة ( التضامن من أجل مستقبل أفضل) ومن هنا سأنطلق نحو فكرة التضامن والمستقبل الأفضل، فلا أفرزت القمة تضامناً حقيقياً، بل زادت الفرقة والتباعد في المواقف والرؤى، ولم أقرأ على وجه أحد القادة الزعماء ما ينبئ بأن المستقبل أفضل!
وقبل الدخول في التفاصيل أسجِّل للتاريخ أن أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد بالفعل داهية من دهاة العرب، لقد استطاع قيادة السفينة ووصل إلى الشاطئ بنجاح وسط بحر هائج من المشكلات، في الطريق لم تحل المشكلات نعم، ولم يكن الهدف أن تحل، لكن ما تحقق أفضل مما كان متوقعاً..
وجاءت مطالبة الأمير سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع السعودي الدول العربية بإقامة علاقات طبيعية تسودها الثقه والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وحل الخلافات بالطرق السلمية،هي الأهم في كلمات ومطالبات القمة كلها من وجهة نظري، ذلك أن الأمير وبحكمته المعهودة أراد أن يؤسس لنظام تعامل جديد بين الدول العربية لم يتحقق منذ فجر التاريخ..
أما عندما تحدث الأمير عن الشأن السوري، فكانت تلك اللحظات التي شهدتها قاعة المؤتمرات لحظات تاريخية، قد تكون تلك لحظات مواجهة…ولكن مع النفس …قال الأمير والألم يعتصر قلبه، والحزن بادٍ على محياه، والحسرة مما يحدث عنوان فقرته ( تنعقد القمة بعد تعثر مؤتمر جنيف 2 في التوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية التي مضى عليها أكثر من سنوات ثلاث دفع ثمنها الشعب السوري دماءً وأرواحاً ودماراً شاملاً عم كل أرجاء سوريا التي تتحول تدريجياً إلى ساحة مفتوحة يمارى فيها كل صنوف القتل والتدمير على يد نظام جائر، تساعده في ذلك أطراف خارجية وجماعات إرهابية مسلحة وفدت للساحة السورية من كل حدب وصوب، ويواجه كل هذه التحديات مقاومة سورية مشروعة خذلها المجتمع الدولي وتركها فريسه لقوى غاشمة حالت دون تحقيق طموحات شعب سوريا النبيل في العيش بحرية وكرامة).
أنهى الأمير سلمان كلمته التي تطرق من خلالها لمواضيع ركزت على الثوابت الأساسية التي تؤمن بها المملكة دائماً، و تصب في مصلحة الأمة العربية، كانت كلمة الأمير سلمان وثيقة مهمة ستسجل في التاريخ، وستكون عنواناً حقيقياً للقمة، وكما سجل الملك فهد بن عبدالعزيز – رحمة الله – بصمتة التاريخية في القمة العربية التي عقدت في مدينة فاس المغربية عام 1981م عندما تقدم بمشروع السلام بالشرق الأوسط، وكما سجل الملك عبدالله بن عبدالعزيز بصمته في طرح مبادرة السلام العربية الإسرائيلية على أساس الأرض مقابل السلام في قمة بيروت 2002م، سيسجل التاريخ للأمير سلمان موقف المملكة في قمة الكويت، ودورها الكبير في لَمّ الشمل العربي وتقريب وجهات النظر، خاصة أننا نعيش في خضم ظرف بالغة الدقة والحساسية، نواجه عديداً من التحديات غير المسبوقة في زمن صعب، أسقط دولاً ووضع أخرى في مهب الريح.
بالفعل إن التاريخ يصنعه الكبار،القمم وإن كانت تتيح الفرصة للجميع لكي يعبروا عن أنفسهم ويحاولوا البحث عن دور يقومون به، سيبحثون في نهاية المطاف عن أنفسهم في فهرس التاريخ، أما السعودية والدول الكبرى فهم من يصنعون التاريخ..
ولذلك تصبح أحاديث الصغار وتصرفاتهم وأفعالهم كاللعب بالنار،لا يستمعون لأحد، ولا يعترفون بأن الصغير في تاريخ الدول يظل صغيراً مهما فعل.
الأمر الغريب الذي أزعج العقلاء فقط، ذكره الأمير سلمان باندهاش عندما قال ( إننا نستغرب كيف لا نرى وفد الائتلاف السوري يحتل مكانة الطبيعي في مقعد سوري، خاصه أنه منح هذا الحق في قمة الدوحة)، وبالفعل ظل المقعد السوري خالياً، لماذا لا أحد يعلم سوى دولتين يقال إنهما احتجتا على ذلك فيه، إلا أن العدد ارتفع في الكويت حتى وصل الى سبع دول وقد يزيد…
تلك الدول أكدت لي كم هو رخيص دم الأبرياء من شيوخ ورجال ونساء وأطفال، وكم تحجرت قلوبنا، وكم نجح الآخرون في وصف بعضنا عندما وصفوا العرب والمسلمين بالإرهابيين !! أليس ما يحدث في سوريا يؤكد ذلك، وهل وجد في التاريخ زعيم قتل شعبه بوحشية الأسد، هل سجل التاريخ أن قائداً أفنى شعبه بالبراميل المتفجرة في عمليات القتل الجماعي، الأسد فعل كذلك فقتل بوحشية أكثر من 150 ألف سوري، وسحل رقماً قياسياً باسم لاجئي سوريا عبر التاريخ، حيث إنه أجبر أكثر من 40% من السكان على ترك منازلهم وتشرد أكثر من تسعة ملايين سوري ..
ولدى بعض الدول العربية يبدوا أن دم الأسد أغلى من دم الشعب كله، على الرغم من أن المطالبات ليست دمه فقط أو تنحيه أو إيقاف مجازره!!
تلك الدول التي تقف مع الأسد هي نفسها التي بكت وتباكت على ما فعله صدام في قضية الدجيل الشهيرة، وعملية (دم الغزال) التي شنق بسببها صباح عيد الأضحى المبارك، تفاصيلها قياساً لما يفعله الأسد تمثل مسرحية كوميدية مقارنة بفيلم من أفلام هيتشكوك المرعبة، تعرض صدام لمحاولة اغتيال فاشلة من قبل ما يسمى بحزب الدعوة الإسلامية في العراق، عاقب من عاقب وصادر وجرف بعض الأراضي التي سرعان ما عاد وعوض ملاكها بعد فترة من الزمن .. هنا لا أدافع عن الرجل الذي رحل، فأخطاؤه كثيرة ولا شك، لكنها في الحقيقه تضعه تلميذا في مراحله الأولى في مدرسة أو مجزرة الأسد.. إنها الأمة العربية.. كلمات في كلمات.

خالد بوعلي
رئيس تحرير صحيفة الشرق
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٥٥) صفحة (٢) بتاريخ (٠٧-٠٤-٢٠١٤)