قبل مائة عام؛ اشتعلت الحرب العالمية الأولى، وقُتل فيها ملايين البشر، اختفت بفعلها دول وإمبراطوريات، وظهرت دول جديدة، وانقسم العالم إلى عالمين بعد الحرب العالمية الثانية، اتسم القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، بغياب القانون الدولي وسيادة شريعة الغاب، حروب وصراعات قومية ودينية وعرقية، رغم أن الحقبة الاستعمارية التي دامت مئات السنين في بعض مناطق العالم انتهت، وتشكلت الأمم المتحدة، وأقرت قوانين وشرائع دولية مثلتها هذه المنظمة وملحقاتها. تاريخ الأمم والدول والشعوب لم يشهد فترات سلام طويلة، وكأن الحروب والصراعات هي القاعدة، والاستثناء هو الأمن والسلام.
وحده الغرب الذي طال زمن حروبه، ينعم اليوم بالسلام، لكن معظم حكوماته تدير وتغذي الحروب على أراضي الآخرين بشكل مباشر وغير مباشر، عبر شركات السلاح ومواقفه السياسية التي تخدم مصالحه الاستراتيجية.
ثلاث سنوات مضت على انطلاق ما يسمى «الربيع العربي»، وأصبحت أكثر دُوَله مهددة بالتفكك وربما بالزوال، بسبب مصالح الغرب ووكلائه، ووضع مصالحه فوق أي اعتبار، وعجز الأمم المتحدة ومجلس الأمن عن القيام بدورهما كضامن لأمن الشعوب وسلامة الدول واستقلالها.
مؤخرا، انضمت أوكرانيا إلى الدول التي أصبحت مهددة بالتفكك، وبدأت روسيا بقضم أجزاء منها، ويبدو أن تفككها سيكون أسرع من غيرها، لأن الخصم الروسي يتمتع بحق الفيتو في مجلس الأمن المعطل، ورغم وجود معاهدة أمريكية بريطانية روسية تضمن سلامة ووحدة أراضي هذه الدولة، لكن يبدو أن المعاهدات والقوانين والمواثيق الدولية لا قيمة لها طالما تعارضت مع المصالح القومية للدول الكبرى. من المستبعد اندلاع حرب عالمية، لكن من الثابت أن شريعة الغاب تسود من جديد، والعلاقات الدولية تعود إلى منطق القرون الماضية، ما يريده الأقوى هو ما يتحقق، وهذا سيفتح الباب على مصراعيه لحروب جديدة يديرها ويغذيها الغرب، ويبقى بعيدا عنها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٥٧) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٩-٠٤-٢٠١٤)