في الحروب والأزمات، تبرز فئات تنتفع من أوجاع الناس ومآسيهم، همها الرئيس هو تحصيل وانتزاع أكبر قدر ممكن من المنافع المادية والمعنوية. تكبر هذه الفئات وتنتعش كلما استفحلت الأزمة او الاحتراب أو الحرب الأهلية، وتتفنن في تطوير الواقع المأزوم لكي يستمر حتى تزيد منافعها، وتصبح مصلحتها في إدارة الأزمة لا حلها.
حصل ذلك في البلدان التي مرت بأزمات وحروب داخلية طاحنة، كما هو الحال مع الحرب الأهلية في لبنان التي استمرت من العام 1975 حتى العام 1990، عندما وقَّعت الأطراف المتحاربة على اتفاقية الطائف بالمملكة العربية السعودية ثم الإعلان الرسمي عن انتهاء تلك الحرب المدمرة التي خلفت مئات الآلاف من الضحايا بين قتيل وجريح ومهجر ومهاجر ومفقود، فضلاً عن التدمير الكبير للبنى التحتية والاقتصاد المحلي وفقدان لبنان تميزها في تلك الفترة كمركز مالي في المنطقة احتضن مصارف الوحدات الخارجية (أوفشور) التي تحولت إلى البحرين خصوصا مع الطفرة النفطية التي حصلت في منتصف نفس العام الذي اندلعت فيه الحرب الأهلية اللبنانية. وقد أسهم الاجتياح الإسرائيلي للبنان واحتلال العاصمة بيروت صيف العام 1982 إلى زيادة المعاناة وإيجاد فرص جديدة لتجار الأزمات الذين وجدوا ضالتهم في فتح خطوط مع كل الأطراف بما فيهم الصهاينة لتعظيم الفوائد من الحالة الجديدة للوضع اللبناني.
كما حصل ذلك مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في سبتمبر 1980، واستمرت ثماني سنوات عجاف أتت على الأخضر واليابس واستنزفت ثروات البلدين، حيث يقدر كثير من الإحصاءات ومراكز البحوث أن الخسائر المادية فقط بلغت نحو 500 مليار دولار، كان بإمكان استثمارها في البلدين أن تنقلهما من حال العوز والفقر والمرض إلى أحوال أكثر أريحية، فضلا عن مئات آلاف القتلى وملايين الجرحى، فضلا عن إعادة عقارب الاقتصاد الوطني في كل من بغداد وطهران القهقري لعقود طويلة، ولاتزال الدولتان تدفعان ثمن تلك الحرب. لقد انتعشت الأسواق السوداء في مختلف القطاعات وفي المقدمة منها تجارة السلاح المحرمة دوليا، وزادت عمليات غسيل الأموال القذرة، وانتعشت فئات داخل العراق وإيران وعلى ضفاف الخليج وفي المنطقة العربية والدول الإسلامية، خصوصا مع تحول أهداف الحرب من شطب اتفاقية الجزائر الموقعة منتصف سبعينيات القرن الماضي إلى الدفاع عن البوابة الشرقية ولجم «تصدير الثورة التي تبنتها القيادة الإيرانية، ليتسع الصراع وينحو إلى المنزلاقات المذهبية والطائفية والقومية.
لقد دفعت بعض دول الخليج العربي ثمن تلك الحرب من النواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لجهة تهديد السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي، الأمر الذي عطل برامج التنمية المستدامة ولم تتمكن أغلب دول المنطقة من إنجاز البرامج والخطط الموضوعة، بل برزت أزمات داخلية في المنطقة على الرغم من التخمة المالية التي تتمتع بها، حتى جاءت مرحلة انهيار أسعار النفط مع العام 1983 وأزمة المناخ في الكويت وارتداداتها في دول الخليج الأخرى، حيث تحولت الفوائض المالية في الموازنات العامة إلى عجوزات واضحة وكبيرة. وهذه أسست إلى بطالة وأزمة تدني أجور في بعض دول المجلس، وأزمة إسكان في أغلبها. وقد استثمر تجار الأزمات هذه الخضات المفصلية التي شهدتها بعض دول المجلس لتعتاش عليها وتؤجج نارها عبر النفخ في نيران الفتن النائمة، لتتوسع دائرة مصالح هذه الفئة، وتتحول إلى أسلوب حياة يمكن الترويج له بطريقة متذاكية وبعدة طرق، تكشفت بعد أن عم الخراب في عديد من العواصم، وزادت الاستقطابات التي أسست إلى أزمات امتدت واستفحلت حتى الوقت الراهن.
ومع اندلاع شرارات الربيع العربي بدءا من تونس، برز بعض تجار الأزمات سيوفهم وشحدوا هممهم، فعاثوا فسادا قل نظيره حتى في رواندا التي شهدت مذابح الهوتو والتوتسي، حيث كانت عمليات مص دماء البلدان تحدث على مرأى ومسمع من الجميع وفي وسائل الإعلام وعلى الهواء مباشرة. لقد شهدت المنطقة انهيارا حقيقيا لمنظومة القيم بإخراج كل الغرائز الحيوانية الكامنة لدى بعض البشر، فلم تعد القيم الأخلاقية والدينية والإنسانية قادرة على إيقاف السلوكيات المكارثية المدمرة، بل إن ثمة من احتضنها وروج لها وتحولت البلدان إلى عزب وجزر وإقطاعيات شملت الأرض وما تحتها وما عليها بما فيهم البشر.
لكن الأكثر خطورة هو انزلاق بعض المثقفين أو المحسوبين على الثقافة إلى هذا المستنقع الآسن وبدء التنظير له على أنه حدائق غناء (!!)، فراحوا يروجون لكل ما هو عفن وقاتل للنفس البشرية على أنه أفضل ما يمكن أن يكون في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها الأمة. وكان لاستثمار الإعلام بكافة وسائله الخطورة الكبرى على وحدة المجتمعات العربية، حيث مورست ولاتزال تمارس عمليات الشطب والإقصاء والتهميش لفئات واسعة لحساب منافع ضيقة، ما أدى إلى دخول عديد من البلدان العربية في أشبه مايكون باحترابات داخلية قائمة على الدين والمذهب والطائفة والقبيلة. لقد فعل المثقفون والكتبة ما لم تفعله آلات الدمار في المجتمعات العربية، ليبدأ النسيج المجتمعي في التفتت وتتحول منابر عدة من دعوات الإصلاح وإعلاء القيم الإنسانية والدينية إلى دعوات الانتقام والتشفي وتطهير الآخر الذي كان قبل سنوات أخا في المواطنة أو في الدين أو في المذهب. وتعزز خطاب الكراهية للدرجة التي قادت إلى إشعال فتن بلا أسباب سوى الانتقام والتعبير عن رفض الآخر.
هؤلاء الذين قادوا معاركهم الوهمية وتاجروا بوحدة بلدانهم وسامُوا الناس العذاب الأليم، لم يتوقفوا عند حد معين، فالانحطاط ليس له قاع والغرائز الحيوانية لاتتوقف عند مستوى معين، إنما تقذف كل ما في جعبتها لتولد غيرها مادامت المصالح والتجارة تشبع رغبات هؤلاء المثقفين ومن يقف وراءهم ويقدم لهم التوجيهات والتسهيلات والغنائم، كلما اجتر هؤلاء الأزمة وأعادوا إنتاجها بطريقة جديدة لكن بنفس العناصر الأساسية واللاعبين والممثلين. بيد أن السحر قد بدأ ينقلب على الساحر، والصداع الذي أعقب سكرة التيه والخوف بدأ ينحسر ولو ببطء، كما بدأ الجليد المتراكم في الذوبان ولو ببطء لتتكشف حقائق مرعبة عما فعل أولئك الذين يحسبون أنفسهم جزءا من نسيج المجتمعات العربية إلا أنهم في حقيقة الأمر أشد أعدائها وأكثر كفرا بها. فقد كانوا ولايزالون يعتقدون أنه بإمكانهم الكذب على كل الناس في كل الأوقات، وأنستهم الغنائم أن ذلك من سابع المستحيلات.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٥٩) صفحة (١٣) بتاريخ (١١-٠٤-٢٠١٤)