عندما تقرأ كتب التاريخ وما تحتويه تلك الكتب من أخبار الأمم السابقة فإنك تترحم وتدعو لمن أرَّخ تلك المعلومات وجعلها تصل إلينا لنتعرف على أخبار تلك الأمم وثقافاتهم وأحوالهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فهؤلاء يستحقون الإشادة والكتابة عنهم والتذكير بهم من وقت إلى آخر، وقد يظن بعضهم أن ما قام به أولئك المؤرخون عمل عادي وسهل، ولا يدرك ما هي الصعوبة التي واجهوها أثناء بحثهم وتوثيقهم المعلومات ومن ثم تمحيصها تمحيصاً جيداً لمعرفة مدى صدق المعلومة من عدمه، وبعدها يتم تأليف الكتاب المراد تأليفه.
المؤرخون هم من تحملوا مسؤولية ربط الأجيال بالتاريخ وتتبع حركة التاريخ وتصنيف الأحداث واستخلاص الحقائق والدروس، وبهذا حفظوا لنا التاريخ السياسي والاجتماعي والفكري لأممهم السابقة، فوصلتنا تلك الكتب بعد أن تم حفظها وإعادة نسخها عشرات المرات إسهاماً في حفظها والخوف من تلفها، فلذلك فقد قدم لنا هؤلاء المؤرخون مادة مهمة تتعلق بمن سبقنا في الحضارة والعلم، إذاً هم خدموا الإنسانية بحفظ تاريخها بجميع مكوناته، فكم هناك من حضارة أو ثقافة اندثرت دون أن نعلم عنها شيئاً بسبب عدم توثيق تاريخها وحفظه من الضياع، وكم من أمة غاب تاريخها بسبب عدم وصول كتبهم ومؤلفاتهم إلينا إما بسبب إتلاف تلك الكتب من قِبل الأعداء، أو بسبب ضياع تلك الوثائق والمؤلفات مع مرور الزمن ولم يُعثر عليها حتى الآن، حتى أننا نسمع بعض الفترات ونشاهد أثناء عمليات الهدم للأماكن الأثرية القديمة العثور على مخطوطات مهمة قد خُبئت في الأسقف أو الجدران من قِبل أصحابها خوفاً من أن يعثر عليها أحد المعارضين لها ومن ثم يتلفها، فتبقى تلك المخطوطات في مكانها حتى يتم كشف أمرها بالعثور عليها.
وتاريخنا الوطني ولله الحمد أسهم في كتابته رجال كثيرون كانوا مرافقين مع الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- سواء ممن قدموا عليه من البلاد العربية أو الأجنبية، فكانوا مخلصين في أداء عملهم ونقلوا لنا تاريخاً مهماً يحكي عن واقع آبائنا وأجدادنا، فكانوا ينقلون لنا الصورة التي كانت أمامهم، فتنوعت الكتابات والمؤلفات عن تاريخنا الوطني، ومن هؤلاء الرجال الذين عملوا في بلاط الملك عبدالعزيز ونقلوا لنا جزءاً من تاريخنا الوطني: الأستاذ/ محمد أمين التميمي، الذي قدم إلى الملك عبدالعزيز بعد الانتهاء من فترة التوحيد والبدء في فترة التأسيس، وكانت بداية اتصاله مع الملك عبدالعزيز في مكة سنة 1349 هـ، وأول عمل قام به لدى الملك عبدالعزيز كطابع آلة ويندر في ذلك الوقت من يعمل على هذه الآلة.
ومؤرخنا محمد أمين من فلسطين، كتب جزءاً من سيرة حياته ومعاناته التي مر بها في كتابه الذي ألفه عن الملك عبدالعزيز «لماذا أحببت ابن سعود؟»، وقد سجل في هذا الكتاب مشاهداته أثناء دخوله إلى المملكة عن طريق الأردن وابتداء من منطقة الجوف ثم منطقة حائل فالمدينة المنورة، حتى وصوله إلى مكة والتقائه بالملك عبدالعزيز لأول مرة، وقد وصف لنا مجلس الملك عبدالعزيز وكيفية استقباله ضيوفه والبرتوكول البسيط الذي كان عليه الملك عبدالعزيز آنذاك، وتحدث في كتابه عن بعض المواقف التي حدثت له أثناء عمله في بلاط الملك عبدالعزيز، وأخص من تلك المواقف أثناء طلبه إجازة من الملك عبدالعزيز للسفر إلى فلسطين بسبب مرض والده، فحاول الملك عبدالعزيز ثنيه فترة من الوقت لكثرة الأعمال التي لديه، ودار حوار جميل بينهما ذكره في كتابه حتى تمكن من إقناع الملك بالذهاب إلى فلسطين ووعد الملك بأن يعود سريعاً بعد الاطمئنان على والده لمزاولة عمله.
وكان تأليفه كتابه وعنونته بهذا العنوان هو بسبب قربه من الملك عبدالعزيز وما شاهده من سجايا طيبة وحلم وسعة صدر وتعامل جم من الملك عبدالعزيز، فسجل لنا حقبة زمنية مهمة في تاريخنا الوطني، فأصبح كتابه من ضمن الكتب التي أسهمت إسهاماً كبيراً في توثيق تلك الحقبة التاريخية المهمة من تاريخنا الحديث، كما أسهم مؤرخنا -رحمه الله- في وضع شجرة نسب آل سعود سنة 1363 هـ، وقام بإعادة إخراجها مرة أخرى سنة 1388 هـ بعد تلافي الأخطاء التي كانت فيها، كما كان له الدور الكبير في فكرة تأسيس دارة الملك عبدالعزيز التي كانت بداية ظهورها سنة 1392هـ، ونظراً لدوره الكبير واهتمامه بالتاريخ تم تعيينه مستشاراً لدارة الملك عبدالعزيز للبحوث التاريخية، حيث ظل يشغل ذلك المنصب حتى وافاه الأجل المحتوم سنة 1396 هـ.
فمؤرخنا محمد أمين ومن خلال قربه من الملك عبدالعزيز استطاع أن يرصد لنا تاريخاً مهماً من تاريخنا الوطني، وأن يوصله للأجيال التي أتت من بعده ليطلعوا على تاريخهم الوطني ويقرأوه ويدركوا الأوضاع التي كانوا عليها ممن كانوا قبلنا، ويستنتجوا العبر والفوائد من تلك الأحداث التاريخية، واليوم ندرك جميعاً فضل كل من وثَّق أو ألف في تاريخنا الوطني وتحديداً مرحلة التوحيد أو التأسيس نظراً لمحاولة بعضهم تزييف أو حرف التاريخ الوطني بإدخال روايات غير موثقة بل مشوهة في كثير من الأحيان، ربما لولا جهود هؤلاء المؤرخين لأسهمت محاولات المتربصين في تسميم وعي أبنائنا، لذلك مازال مؤرخنا محمد أمين -رحمه الله- في ذاكرة كثيرين منا من خلال إسهاماته المتعددة وخدمته في بلاط المؤسس -طيب الله ثراه- من خلال تأليفه كتابه الذي طبعته دارة الملك عبدالعزيز من ضمن الكتب التي طبعت بمناسبة مرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٦٧) صفحة (١٢) بتاريخ (١٩-٠٤-٢٠١٤)