رغم ما يمثله الطريق الفسيح والمزدوج من أهمية لمصالح الناس ومنافعهم، حيث يُسهّل تحركهم دون ضيق الطريق أو عناء السفر أو وقوع حوادث لا سمح الله، فإن طريق الجنوب مكث زمناً طويلاً منفرداً في مساره، صعباً في مسلكه، الأمر الذي تسبّب في كثير من المآسي، والآن أُنجز نسبة كبيرة من مشروع ازدواجية الطريق الرابط ما بين الطائف والباحة، أما الطريق الذي يصل بأبها فمازال العمل جارياً به حيث يخترق جبالاً صخرية صلبة، والأهالي يتطلعون من وزارة النقل سرعة إنجاز العمل، وإنهائه في أقرب وقت ممكن، فقد سئموا تحويلاته الضيقة والمفاجئة، وينتظرون السير عبره دون قلق أو تعب.
والزائر لقرى سراة عسير بدءاً بمحافظة بالقرن مروراً ببني عمرو وبني شهر وباللحمر وباللسمر وصولاً إلى أبها البهية يندهش لعدة أسباب أولاً للتنامي العمراني الحديث في القرى والمدن التي تنتشر كاللآلئ على قمم وسفوح الجبال، وتُشكّل في مجملها لوحة جميلة رسمتها يد التنمية التي تشهدها بلادنا في كافة الجوانب، والمسافر اتجاه رفيقة السحاب درة الجنوب مدينة النماص وعاشقة الورد مدينة تنومة سيكون مبتهجاً ومسروراً لكونه يشاهد جبالاً مكسوة بالأشجار والأعشاب، فضلاً عن السحب التي تتماهى في تشكيلات بديعة تارة تغطي مساحة المكان وتارة أخرى تسمح لخيوط الشمس أن تتسلل من بينها وكأن لحظة عناق حميمية بين الأرض والسماء، أبدعها الخالق عز وجل، ويستمر النسيم الجبلي العليل يداعب الأنوف ليريح الأبدان وتُسر له النفوس.
والنماص كما يقول العارفون عنها بأنها أكثر مناطق المملكة برودة في الشتاء لارتفاع جبالها لما يزيد عن 2500 متر فوق سطح البحر، أما في الصيف فهي في وضع استثنائي، مناخ آسر، وطبيعة خلابة، وهتّان يغسل الورد والأزهار وأغصان الأشجار ليتضوع المكان بشذى عطري.
وتلك المزايا لمدينة النماص يؤهلها لأن تكون في قائمة الخريطة السياحية لطبيعتها البكر، ولأن السيّاح يرغبون اكتشاف مواقع سياحية جديدة والنماص وتنومة مؤهلتان لذلك، وأخذت المدينتان تنموان في وقت قياسي ويعود لسببين السبب الأول : حرص الأهالي على تطوير مدينتهم، والسبب الثاني: كون البلدية أخذت على عاتقها الاهتمام بتنميتها بتنفيذ المشاريع التي تحتاجها بحسب الإمكانات المتاحة، ونتيجة لهاتين المعادلتين المتكافئتين، وهما الجهات الرسمية والأهالي وكذا التناغم بينهما نمت المدينتان بشكل سريع ويُحسب للأهالي الذين يتطلعون إلى ما هو أجمل وأبهى في قادم الأيام.
واللافت للانتباه وجود قصر الحضارات الذي يتسنم الجبال في إطلالة بديعة نحو الانحدارات الشرقية، ويُعد هذا القصر إحدى العلامات السياحية والأثرية في محافظة النماص حيث يحوي بين جنباته كثيراً من المخطوطات والمقتنيات التراثية من ملبوسات وأدوات زراعية وحلي وأسلحة قديمة كالسيوف والجنابي والبنادق، فضلاً عن المواقع السياحية عناق، جبل ناضر، شمر، سنان، جبل العرفج، بدعة، العقيقة ووصلت إليها كثير من الخدمات البلدية كالطرق والمظلات وألعاب الأطفال، وللماضي صفحة بهية حيث تتمثل في المساجد القديمة التي ترجع إلى القرنين الثاني والثالث الهجريين ومنها مسجد صدريد، الأعاسرة الجهوة، أما أكثر شيء إدهاشاً للزائر فهو مباني النماص القديمة كالقلاع والبيوت الأثرية فهي ذات طراز معمار عريق، أنيقة الشكل، متينة البنيان، ويزيدها أهمية النقوش والرسوم والكتابات الموغلة في القدم، ومثلما تتمتع النماص بهذه الجماليات أيضاً مدينة التاريخ تنومة ذات جمال طبيعي حيث تفترش أرضاً منخفضة نسبياً عن النماص تحيط بها الأشجار من كل جانب، وبها أيضاً متنزهات، تُسر لها العيون، وتبتهج لها القلوب، كمتنزه تنومة، وجبل منعا، والمحفار، والشرف، وشلال، والحيفة، ووادي درج الشهير.
ولكون الإنسان هو المحرك الأساس للتنمية بوعيه وفكره ونشاطه فإن كثيراً من أهالي تنومة والنماص يحملون مؤهلات عليا حصلوا عليها، سواء من داخل المملكة أو خارجها، انعكس وعيهم العالي على طريقة تفكيرهم، ورؤيتهم للحياة، وتثمينهم لمن يكون مخلصاً وأميناً في عمله، وتوقهم لأن تصبح مدينتهم من أجمل وأبهى المنتجعات السياحية في المنطقة الجنوبية.
ومما راج في أوساط البلديات أن يخرج مسؤولها الأول والأهالي غير راضين عن عمله، إلا أن الوضع في النماص كان مختلفاً تماماً حيث احتفوا برئيس بلديتها السابق المهندس سراج بن أحمد الغامدي حين تم ترقيته إلى المرتبة الرابعة عشرة ونقله إلى منطقة أخرى، شاكرين له جهده، مثمنين إخلاصه وأمانته. وتجسدت في الكلمات الخطابية والقصائد الشعرية والمشاعر الصادقة التي ارتسمت على ملامح وجوههم دون زيف.
ومضة: الأهالي هم حاسة الاستشعار الأولى لمعرفة ما يقدمه المسؤول من جهد، أو ما يسببه من إخفاق.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٦٩) صفحة (١٢) بتاريخ (٢١-٠٤-٢٠١٤)