«إن أعظم عمل إنساني هو رد العدالة لمن فقدها».
«فيلسوف الثورة الفرنسية الكبرى فولتير» .
تروي بعض كتب التاريخ أن رئيس الوزراء البريطاني إبان الحرب العالمية الثانية ونستون تشرشل سأل مستشاريه ومقربيه عن حال القضاء في بلاده، بعد أن دمرت البنى التحتية لبريطانيا ووصل الاقتصاد إلى الحضيض نتيجة الحرب، فأجابوه أنه بخير، فقال مقولته المشهورة «طالما أن القضاء والعدالة في البلد بخير فكل البلد بخير». أما الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديجول فقال «إذا كان القضاء بخير ففرنسا في أمان، فهو الدعامة الأساسية للنهوض بالدولة»، وقد قال هذه المقولة أيضا بعيد الحرب العالمية الثانية، حيث دمر النازي أدولف هتلر أوروبا في حرب مجنونة أراد من خلالها السيطرة على العالم فقتل وتسبب في قتل الملايين من البشر بما فيهم أبناء شعبه، فقد كانت «الشيزوفرينا» تفعل فعلتها ليبدأ الفوهرر النازي بغزو النمسا معلنا «عودة الفرع إلى الأصل»، وكانت هذه شرارة الحرب العالمية الثانية التي استمرت من 1939 إلى 1945م، أتت على الأخضر واليابس وسالت فيها دماء وارتكبت مجازر ضد البشرية وخصوصا في ألمانيا الهتلرية والاتحاد السوفييتي الذي كان تحت زعامة جوزيف ستالين.
لكن أوروبا الغربية تجاوزت محنتها بوجود سلطة قضائية أجمع زعماء أوروبا أنها سلطة مستقلة قادرة على استنهاض المجتمع المدمر حين تمارس العدالة على الأرض ويشعر الإنسان أنه بين كفتي ميزان العدالة برقابة أمينة تعيد الحق المغتصب إلى صاحبه، فكان مشروع مارشال لإعادة إعمار ما دمرته الحرب الكونية الثانية، مكملاً لواقع العدالة والقضاء المستقل، رغم المرحلة الكولونيالية في ذلك الوقت التي قسمت الوطن العربي إلى مناطق نفوذ للدول المنتصرة.
لم ترتض أوروبا الغربية العودة إلى القرون الوسطى التي حكمت فيها الكنيسة البشر والحجر وحولت تلك البلدان إلى مقابر فكرية وسياسية واقتصادية يسودها القمع والبطش بالخصوم أيا كانوا، بينما كانت الحضارة العربية الإسلامية في أوج تجلياتها حتى بدأ ينهل من علم العرب والمسلمين فأسس للترجمة الناقلة للحضارة وكل ما هو جيد بما فيه القضاء العادل، حيث يزخر التاريخ العربي الإسلامي القديم بنماذج لا يمكن الاستهانة بها أو تجاوزها، رغم اللغط الكبير في عملية التوثيق.
فالخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه، قال في أول خطبة له إن «الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه».
أما الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فله من المأثورات ما يمكن أن يؤسس لعدالة في بلاد العرب والمسلمين. فهو القائل «كيف استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً»، في إشارة واضحة إلى حالة الظلم التي تقع على الإنسان وعملية الاستعباد التي كانت سائدة في ذلك الزمن. كما أنه القائل «أشقى الولاة من شقيت به رعيته». ويقصد بها الحاكم الظالم الذي تنتفي العدالة في بلاده. وهو القائل أيضا «رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي»، ما يعرف في الوقت الحاضر بعملية النقد والشفافية والإفصاح. ولذلك هو من كان يستشير الخليفة الرابع الإمام علي كرم الله وجهه باعتباره صاحب حكمة، فلم يتردد في القول «لولا علي لهلك عمر». وللخليفة الرابع الإمام علي بن أبي طالب حكم كثيرة في مسألة العدل، فهو القائل «غاية العدل أن يعدل المرء عن نفسه» و«العدل ملاك، الجور هلاك»، و«رحم الله أمرأ أحيا حقاً وأمات باطلاً وأدحض الجور وأقام العدل»، و«العدل حياة».
ويعتبر الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز واحداً من أكثر الخلفاء الأمويين عدلاً رغم قصر خلافته. وتشير كتب التاريخ إلى أن أحد الولاة كتب إليه يطلب مالاً لتحصين المدينة فكتب إليه عمر: «حصنها بالعدل ونقّ طريقها من الظلم». أما صلاح الدين الأيوبي فله مقولة خالدة أيضا إثر انتصاره في معركة حطين حين قال لجنوده «لا تظنوا أني ملكت البلاد بسيوفكم بل بقلم القاضي العادل».
كان يمكن للبلدان العربية أن تنهل من هذا التاريخ العريق في العدالة وتأسيس دولة المؤسسات والقانون في عرف الوقت الراهن، وأن تعدل بين مواطنيها وتشيد دولة المواطنة المتساوية. بيد أن الحالة تردت مع تمسك النظم العربية بكل السلطات وتجييرها لصالح النظام السياسي ونخبه وبطانته.
ثمة مقومات وأسس لدولة العدالة والقضاء النزيه والمستقل الذي يحكم بالعدل لا يمكن القفز عليها بتشغيل الماكينات الإعلامية وشركات العلاقات العامة بهدف التلميع والترويج إلى عكس ما هو موجود على أرض الواقع في النظام السياسي. لقد قيل منذ زمن طويل إنه «يمكنك أن تكذب على بعض الناس كل الوقت، ويمكنك أن تكذب على كل الناس بعض الوقت، لكن لا يمكنك الكذب على كل الناس كل الوقت»، وهذا قول مغيب ومتناسى من قبل كثير من النظم العربية الحالية.
فقط دولة المواطنة المتساوية هي التي يمكن أن تقوم فيها العدالة الاجتماعية ويكون فيها القضاء نزيهاً. هذه الدولة لا تميز بين المواطنين بناء على انتماءاتهم العرقية أو الدينية أو المذهبية أو القبلية، إنما تضع نصب أعينها المساواة بين أبناء البلد الواحد، وهي القادرة على تأسيس المجتمع على أسس حقيقية قوية تمنع الطابور الخامس من اختراق النسيج المجتمعي وتبني السلم الأهلي وتعزز الاستقرار الاجتماعي وتحصن اللحمة الوطنية الداخلية التي بقوتها وقناعة المواطن بالانتماء للدولة تصعب من الدسائس وتلجم إيقاظ الفتنة الداخلية وتبعد الاحترابات الداخلية بين مكونات الشعب الواحد.
وفي معطيات مأساوية يعيشها راهنا المواطن العربي في أكثر بلدانه، تكون الحاجة ماسة إلى مراجعات جوهرية للأسس التي تقوم عليها نظمه وحكوماته. فلا يمكن استمرار هذا الوضع البعيد كل البعد عن العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية دون أن تحدث انفجارات قد تكون مدمرة للبلدان والمجتمعات العربية.. وأنظمتها أيضا. ولنا مثل في دولة البرازيل في عهد رئيسها السابق لولا دا سيلفا الذي نقل البرازيل من حال الفقر والمديونية والاضطراب الاجتماعي إلى حال أفضل أدهش العالم، حيث تتمتع في الوقت الراهن بفائض مالي يزيد عن 200 مليار دولار وتعتبر أيضا صاحبة أقل نسبة غلاء من دول العالم الثالث، وذلك بفضل مجهودات الرئيس دا سيلفا الذي حارب الفقر وطبق القول المأثور «لو كان الفقر رجلا لقتلته». كانت العدالة حاضرة في كل برامج الرئيس، بينما الشفافية ومكافحة الفساد تسيران بالتوازي مع برامجه الاقتصادية التي انتشل من خلالها البرازيل من حافة الانهيار، بخلاف أغلب البلدان العربية التي عم فيها الفساد وغاب عنها القانون ووجدت العدالة نفسها تحت قبضة النخب الحاكمة.
كم يحتاج الوطن العربي إلى فكر مثل هؤلاء العظماء لكي يخرج من أزماته المتناسلة وعلى رأسها غياب العدالة ويعيد الاعتبار للمواطن.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٧٣) صفحة (١٣) بتاريخ (٢٥-٠٤-٢٠١٤)