في العاشر من شهر إبريل الماضي، نشرت وكالات الأنباء خبر إدانة القضاء الفرنسي الكاتب الفرنسي رونو كامو بتهمة التحريض على الكراهية والعنف بسبب أقوال أدلى بها أواخر العام 2010 ضد المسلمين، نعم الإدانة تمت لأن الكاتب تحدث في لقاء عام بباريس بكلام فهمت المحكمة منه أنه كلام يحرض على الكراهية والتمييز ضد جنس من البشر. المحكمة الفرنسية لم تنظر إلى أصل المتهم والمجني عليهم، إنما نظرت إلى الموضوع من زاوية أخرى أعم وأشمل، لتقضي محكمة جنح باريس على الكاتب صاحب نظرية «الاستبدال الكبير»، التي يقصد بها استبدال الفرنسيين الأصليين بالمهاجرين الذين يشكل المسلمون نسبة مهمة منهم.
المحكمة حكمت على الكاتب بتغريمه مبلغ أربعة آلاف يورو على ما تلفظ به من بث للكراهية، وبخمسمائة يورو كتعويض لصالح حركة مناهضة العنصرية والصداقة بين الشعوب. وسببت المحكمة حكمها على الكاتب كامو بأن أقواله تشكل تصويراً عنيفاً للمسلمين، واعتبرتها تصور المسلمين على أنهم «محاربون غزاة هدفهم الوحيد هو تدمير الشعب الفرنسي وحضارته واستبدالهما بالإسلام».
ليس مدحاً في الفرنسيين، إلا أنها الحقيقة. ففرنسا التي تمنع النقاب وتعاقب عليه انطلاقاً من قانون يعتبره محظوراً، حاربه كثيرون وأثاروا عليه كثيراً من الانتقادات، لكنهم لم يتحدثوا عن مثل هذا الحكم الذي يمس بشكل مباشر سلوكاً بدأ ينتشر في أغلب الدول الغربية التي تريد مواجهة حراكات شعبية تبحث عن المواطنة المتساوية ونبذ التمييز العنصري وترفض التحريض على الكراهية.
قبل يومين أنهى وفد المفوضية السامية لحقوق الإنسان زيارة استطلاعية للبحرين استغرقت شهرين، وذلك إثر التوقيع على اتفاق بين وزارة الخارجية البحرينية وبين المفوضة السامية لحقوق الإنسان السيدة نافي بيلاي. وقد التقت المفوضة بكثير من مؤسسات المجتمع المدني من جمعيات حقوقية وتلك التي تعنى بالشفافية والجمعيات السياسية، فضلاً عن اللقاءات مع المؤسسات الحكومية الرسمية. في ختام الزيارة نظمت المفوضة يوم الثلاثاء الماضي جلسة تناولت الرؤى التي خلص إليها الوفد الزائر، حيث أكد المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المفوضية السامية السيد فرج فنيش، على «أن تجاوز الأزمة الحالية في البحرين ممكن، وكذلك من الممكن إنجاح حوار وطني ومسؤول، وقد أكدت هذا التجربة المتواضعة، والنتائج التي توصل إليها الأطراف المشاركون في المشاورات التي قام بها وفد المفوضية خلال الشهرين الماضيين في البحرين». وقد عزز فنيش موقفه هذا عن «طريق المشاورات الثنائية والجماعية مع عدد كبير من المؤسسات وأصحاب القرار والمعنيين بشؤون حقوق الإنسان وأصحاب المصلحة على مستوى السلطات الثلاث، كما على مستوى المجتمع المدني بتنوعاته، مما يعطي لهذا المشروع سنداً قوياً عند تنفيذه، ويسمح بأن تكون لمخرجاته ونتائجه آثار إيجابية فيما يتعلق بحماية حقوق الإنسان ووقف الانتهاكات ومحاسبة مرتكبي تلك الانتهاكات وتعزيز المؤسسات العاملة في مجال حقوق الإنسان بدورها كاملاً»، وفق قوله.
لاشك أن الوفد الأممي لاحظ المنسوب العالي لخطاب الكراهية في بعض الصحف المحلية ووسائل التواصل الاجتماعي، ما دعاه إلى تنظيم ورشة عمل ضد الكراهية، تحدث فيها صحافيون وحقوقيون إزاء المعطيات الراهنة، وهو ما جعل الوفد الأممي يؤكد في الكلمة الختامية على مطالبته «للصحافة ومؤسسات الإعلام والمدونين، بالتزام خطاب يبتعد عن العنف والكراهية والتمييز، وأن يكون خطاباً إيجابياً بناءً»، ودعا «رجال الدين في مختلف الطوائف إلى الترحيب بهذا البرنامج، ودور المفوضية السامية لحقوق الإنسان، وعدم الخلط بين الأمم المتحدة، والمنظمات الأخرى (..) يجب على الصحافة الترحيب بهذا البرنامج، والتركيز في خطبهم على التسامح والاحترام المتبادل»، ودعا جميع المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، «للتعبير علناً عن رفضها للعنف، وتمسكها بحقوق الإنسان كمرجعية مشتركة، وتبادل رسائل إيجابية بين بعضها بعضاً، وندعوها إلى نبذ العنف والتنديد بأي شكل من أشكال العنف، ونرجو ألا نرى الأطفال في السجون ولا المصادمات، فالمكان الطبيعي للطفل هو العائلة والمدرسة».
كأن مصطلحات التحريض على الكراهية وممارسة انتهاكات حقوق الإنسان وتجسيد التمييز الطائفي والمذهبي، قد تحوّلت إلى سياسات ممنهجة تمارسها عديد من النظم العربية للتهرب من استحقاقات والتزامات وتعهدات قطعتها على نفسها، لكن «كل القطط في الليل متشابهة»، كما يقول المثل. فالانتهاكات مستمرة، ومحاولة شق المجتمع على أسس عرقية وإثنية ودينية وطائفية قائمة على قدم وساق ويستخدم الإعلام لتفعيل هذا النهج وهو أخطر وسيلة تستثمر بهدف تدمير المجتمعات لأجل مصالح فئوية ضيقة واستحواذ على جميع السلطات وعدم الالتفات لما يعانيه المواطن العادي من أزمات تتناسل بمعادلة هندسية، تعبيراً عن حالة عدم الاستقرار المغطاة بقشرة هشة تتهشم مع أول خضة. والمعضلة أن مع هذا التحريض تتكون فئة تعتاش على التحريض وبث الكراهية وتحارب أي محاولات لرأب الصدع ومعالجة الخلل، باعتبار ذلك يمس مصالح المنتفعين. وقد لوحظ ذلك في ورش العمل التي نظمتها المفوضية السامية في البحرين، حيث اختفى الذين تؤشر عليهم أصابع الاتهام من الفعاليات ولم يحضروا، بل أمعنوا في التحريض الإعلامي والكتابات غير المسؤولة رغم أن المفوضية جاءت بناء على اتفاق بين الحكومة البحرينية والمفوضية السامية.
إن نصوص المواثيق الدولية بخصوص منع التحريض على الكراهية هي مواثيق واضحة وتدفع الأمم المتحدة على تبنيها من قبل الدول في قوانينها ودساتيرها الوطنية ومنها المادة (20/2) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، الذي صادقت عليه مملكة البحرين بالقانون رقم 56 لسنة 2006، التي تنص على أنه «تحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف». وقد أوصت خطة عمل الرباط التي أطلقت في العام 2012 بضرورة الشروع في مواجهة التحريض ضد الكراهية ودعت كل الفئات المجتمعية بما فيها مؤسسات المجتمع المدني التي ينبغي أن تشكل تحالفاً ضد التحريض على الكراهية وكذلك رجال الدين الذين يطلعون بأدوار مهمة في الأوساط الشعبية، فضلاً عن الحكومات التي يتوجب عليها تعديل قوانينها المحلية بما يتماشى مع المواثيق الدولية، لكي نتخلص من هذا الداء الذي بدأ ينتشر في المجتمعات العربية كالسرطان ولا يجد جهوداً كافية له، وتتحمل أغلب النظم العربية التي تتشابه وسائلها في عملية التحريض على الكراهية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٨٠) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٢-٠٥-٢٠١٤)