للمرة الثالثة يفشل برلمان لبنان في انتخاب رئيس جديد للبلاد، ليس لأن المتنافسين على منصب الرئيس كُثر، أو أن أحد المرشحين لم يحصل على العدد الكافي من الأصوات، بل لأن فريقاً سياسياً كبيراً في هذا البلد الصغير أوعز للمثلية في المجلس النيابي بعدم حضور جلسة التصويت وتعطيلها.
الانقسام السياسي في لبنان ليس وليد الأمس واليوم، بل يمتد لعشرات السنين منذ زمن الوصاية السورية على هذا البلد.
انسحب الجيش السوري من لبنان قبل تسع سنوات، لكن نظام دمشق لم يترك فصيلاً سياسياً أو طائفة إلا واستطاع شقه بين مؤيد ومعارض لسياسته ووجوده، خرج العسكر وبقي النفوذ ما سمح بحضور سوري لايزال قوياً ومؤثراً عبر أحزاب وشخصيات سياسية واجتماعية مؤثرة على القرار الوطني اللبناني.
حضور إيران في لبنان بات أقوى بعد نهاية زمن الوصاية السورية من خلال حزب الله الذي يحمل استراتيجيتها ويعمل على تنفيذ أجنداتها لبنانياً وإقليمياً، وازداد هذا الحزب قوة بعد تدخله إلى جانب الأسد في الحرب السورية ويريد فرض شروطه وفرض مرشحه ويعطل اكتمال نصاب انعقاد المجلس النيابي، ساعياً إلى فراغ ليس في منصب الرئاسة فحسب بل في جميع المؤسسات السيادية للدولة اللبنانية، فهو يريد ابتلاع الدولة بأكملها.
الانقسام داخل البرلمان اللبناني يعبر بشكل واضح عن مدى الانقسام الشعبي داخل هذا البلد بين مشروعين وفريقين؛ أحدهما يعبر عن مصالح الوطن، والآخر يعتبر مصالحه مرتبطة بمصالح إيران ومشاريعها، وأيٌّ من هذين الفريقين السياسيين لا يمكنه إيصال مرشحه لرئاسة الجمهورية، وكلا الطرفين لا يمتلك الأكثرية النيابية، وهذا ما يفرض التوافق على شخصية الرئيس بين الطرفين، ويبدو أن ذلك غير وارد الآن، وأصبح في حكم المرجح شغور كرسي الرئيس.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٨٦) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٨-٠٥-٢٠١٤)