انتشرت في الآونة الأخيرة عمليات الإضراب عن الطعام في عديد من السجون العربية، امتد بعضها إلى أيام قياسية أثرت على أجساد من نفذوها. لكن الأشهر في هذه الإضرابات ما ينفذه الآن الموقوفون الإداريون في سجون الاحتلال الصهيوني الذين بدأوا إضرابهم الأخير في الرابع والعشرين من شهر إبريل الماضي، يطالبون الكيان بوقف هذا النوع من العقاب، خصوصاً أنه تم الاتفاق مع السلطة الفلسطينية على لجم هذا العقاب وقصره على ستة أشهر فقط بدلا من امتداده حالياً لعدة سنوات يقضيها السجين الفلسطيني دون حقوق أساسية بما فيها عدم السماح له باللقاء مع محاميه ومنع زيارة ذويه له.
ويعتبر الإضراب عن الطعام إحدى وسائل المقاومة السلمية لتحقيق المطالب، حيث يقدم المشاركون في هذا العمل على الصوم عن الطعام احتجاجاً على الظروف التي يعانون منها ولتوصيل صوتهم إلى الرأي العام والمسؤولين على وجه الخصوص. وفي حالة السجناء السياسيين أو الأسرى، يعمل هؤلاء على اتخاذ خطوة كهذه لينقلوا معاناتهم وراء القضبان للمجتمع المحلي والدولي، بينما تعمد السلطات إلى تغذية السجناء عبر ما يسمى بالتغذية الجبرية واستخدام القوة لإطعامهم لإيقاف إضرابهم أو عزلهم في زنازين انفرادية.
والإضراب عن الطعام ليس بدعة، بل هي وسيلة تبحر في أعماق التاريخ، حيث استخدمت هذه الوسيلة ما قبل المسيحية وتنفذ في العموم بقواعد محددة مثل الإضراب عن الطعام أمام بيت الجاني، الذي يلحقه العار إذا مات المضرب أمام منزله. والهدف من هذه العملية هو البحث عن العدالة أو تحصيل الديون المترتبة على الجاني أو المتهم. وقد انتشرت هذه الطريقة في التعبير عن الاحتجاج في الهند التي عمدت إلى إلغائها في العام 1861 بعد أن انتشرت وتعززت هذه الظاهرة التي بدأت منذ سنة 750 قبل الميلاد.
في فلسطين، وحيث يقبع نحو 5000 أسير يواجهون صنوفاً من التعذيب الجسدي والنفسي، لم تتمكن أدوات الأمم المتحدة من الحد من تدهور أوضاعهم نظراً لتصرف قوات الاحتلال بأنها فوق القانون الدولي وينبغي على تلك السلطات معاملة الأسرى كما جاءت في نصوص المواثيق، وهذا ما أكده أكثر من 25 خبيراً قانونياً وقضاة سابقين في المحاكم الدولية في مؤتمر عقد في جنيف نهاية إبريل الماضي وطالبوا الاحتلال بالالتزام بالنصوص القانونية في هذه المواثيق التي تؤكد على «انطباق اتفاقيات جنيف على الأراضي المحتلة والأسرى، واكتساب الأسرى صفة المحاربين القانونيين والشرعيين وفق الاتفاقيات، وبما يعطي المجال لاستخدام كل آليات القانون الدولي وأدواته لملاحقة ومحاسبة المسؤولين الإسرائيليين عن جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية استخدمت بحق الأسرى على مدى العقود الماضية وقد فاق عددهم 800 ألف أسير، أي أكثر من 20% من الشعب الفلسطيني داخل فلسطين، وأعلنوا تبنيهم لهذه القرارات»، وفق بيان أصدره منتدى أسرى الحرية الذي انعقد في بيروت في الخامس من الشهر الجاري. ويعاني الأسرى الفلسطينيون في أكثر من 22 معسكراً وسجناً احتلالياً حيث يتعرضون لسياسة انتقام رسمية ولإرهاب دولة منظم يستهدف سحق روحهم النضالية وبينهم أطفال ونساء ومرضى ومعاقون ومصابون بأمراض السرطان وغيرها من الأمراض المستعصية، وقد استشهد منهم 205 شهداء منذ بداية الاحتلال قهراً ومرضاً وإعداماً، بالإضافة إلى عدد من المحكوم عليهم بالسجن المؤبّد عدّة مرات بما يتطلب أن يمضي الأسير مئات الأعوام في سجون الاحتلال»، حسب نفس البيان.
ويبدو أن الخبرة الصهيونية قد تسربت إلى عديد من السجون العربية التي تستقبل اليوم عشرات الآلاف من معتقلي الرأي والضمير الذين يطالبون بالحد الأدنى من العيش الكريم وبالكرامة الإنسانية، بعد عقود من الزمن عاشها المواطن العربي في فقر وعوز ومرض وجهل وغياب كامل للتنمية الإنسانية وتدهور في الحالة «الديمقراطية»، حيث لا صوت يعلو فوق صوت السياط التي تسلخ ظهور من يطالبون بحقوقهم في وطن يفترض فيه التسامح والعدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية. وقد بلغ السيل الزبى في بعض المجتمعات العربية حين وصل أغلبها إلى حالة التيه وضياع مستقبل أبنائها بين البطالة التي تصل في بعض الأحيان إلى 50 % ، والديون العامة التي تشكل حالة استنزاف غير مسبوقة تصل إلى درجة عجز الدولة عن تسديد فوائد ديونها، فضلاً عن الأمراض الاجتماعية المتعددة المصادر والوقوع في براثن الجريمة، بينما تسيطر فئة قليلة على الثروة والسلطة وكل شيء، وبدأت بعض تلك الدول تواجه عدم القدرة على تسديد رواتب موظفيها، فيما تنتظر دول أخرى هذا المصير المحتوم، في الوقت الذي يضرب الفساد الإداري والمالي أطنابه في كل المرافق.
من هنا يمكن فهم لماذا تكتظ بعض السجون العربية بمواطنيها، ولماذا يضطر هؤلاء إلى الدخول في معارك الأمعاء الخاوية طلبا لتحسين ظروف اعتقالهم من جهة، ورفضا للأسس التي وضعوا فيها في السجن ثانياً، حيث يفترض أن يكونوا خارج القضبان وأن من قاد البلدان إلى هذا التدهور والانهيار هو من يجب أن يقبع هناك بسبب ما ارتكبه من جرائم بحق الوطن.
لن نفاجأ بانتشار حالة الإضراب عن الطعام في السجون العربية احتجاجا على الأوضاع داخل السجونخصوصاً في فلسطين المحتلة، فهذه ليست بدعة كما أسلفنا القول، فقد كان المهاتما غاندي، كما ورد في الموسوعة الحرة، مسجونا لدى الحكومة البريطانية في عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته وأربعينياته، وقد خافت الحكومة البريطانية، التي كان جيشها يحتل الهند آنذاك، من أن تصل حالة غاندي إلى الموت وهو في سجونها، حتى رضخت بريطانيا لجزء مهم من مطالبه. ترافق مع ما فعله غاندي إضراب أسطوري عن الطعام نفذته شخصيات هندية أبرزهم «جاتن داس» الذي صام حتى الموت، و«بهجت سينغ» الذي كسر الرقم القياسي مع رفيقه «دوت» في الإضراب عن الطعام عندما توقفا عنه بعد 116 يوماً من تنفيذه وبعد أن خضعت بريطانيا لمطالبهما.
الإضراب عن الطعام لا يقف عند المعتقلين، بل إن أسرهم وأسر الشهداء والمتضامنين معهم يمارسون نفس السلوك الذي اشتهر به غاندي، وآخرها ما قام به أسر شهداء الثورة التونسية احتجاجا على الإهمال الذي يلحق بهم وعدم تقديم قاتليهم للمحاكمات العادلة، وغياب التدابير العاجلة لضمان منع إفلات الجناة من العقاب، بما في ذلك اتخاذ الإجراءات التحفظية بحق المتهمين ومنع فرارهم خارج البلاد.
أغلب البلدان العربية بحاجة لإعادة مراجعة شاملة لكل تشريعاتها التي تحد من الحرية والعدالة الاجتماعية وتنتقص من مواطنيها، ناهيك عن التدهور الكبير في الحياة المعيشية في ظل الوفورات المالية الكبرى.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٨٧) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٩-٠٥-٢٠١٤)