تفرض الأزمات التي تعصف بالمنطقة درجة عالية من البراغماتية والوعي وملاحقة تفاصيل التطورات التي تنتج بسرعة فائقة تفوق أحياناً سرعة الرمال المتحركة. على مدى عقود، كانت لبنان مضرباً للمثل، في سرعة تغير وتبديل التحالفات بين أطراف الصراع. بعد الربيع العربي، أصبحت التحالفات العربية العربية والعربية الدولية تسير على خطى ما هي عليه الأطراف اللبنانية، وبسرعة فاقتها في أحيان كثيرة.
في الحالة اللبنانية، كان السيد وليد جنبلاط الأشهر تنقلاً بين الأطراف، وفي لحظات شكَّل هو وحزبه بيضة القبان لحسم مواضيع مفصلية في الساحة المحلية، وآخرها مسألة انتخاب رئيس الجمهورية. كان جنبلاط مؤسساً لجماعة 14 آذار إلى جانب جماعة المستقبل والقوات اللبنانية والكتائب، وتحوّل بعد فترة من اغتيال الرئيس الحريري ليكون أقرب إلى التحالف المنافس المتمثل في 8 آذار الذي قوامه حزب الله وأمل والتيار الوطني الحر. وهذا الأخير لم يكن جزءاً من تحالف 8 آذار، حتى تغيّرت الرمال السياسية التي قادت بدورها إلى توقيع وثيقة التفاهم مع حزب الله. لكن ما يحدث اليوم في لبنان من شأنه أن يدور زوايا التحالفات القائمة إلى درجات متفاوتة قد تصل إلى 180 درجة، لتعاد عملية خلط الأوراق لخلق تحالفات جديدة بعد أن يتم تدوير زوايا التحالفات والخلافات القائمة.
ويبدو أن التركيبة السياسية والطائفية للنظام اللبناني تساعد على هذا النمط من التحالفات السريعة التفكك وإعادة التركيب، لكن العدوى انتقلت إلى دول المنطقة خصوصاً في ظل الخلط الكبير والكثيف لأوراق اللعبة السياسية في المنطقة من حيث تشابك المصالح وتباين الاختلافات. وما حصل في المدينة القديمة بحمص من اتفاق بين الجماعات المسلحة المعارضة وقوات النظام السوري قضى بانسحاب أكثر من ألفي مقاتل من المدينة إلى ريفها، يعتبر ضمن سياق التفاهمات على الأرض. فرغم أن نفس الجماعة تقاتل النظام في مواقع أخرى من سوريا إلا أنهم وافقوا على عقد الصفقة تحت مظلة لجان المصالحة، وهو الأمر الذي نلاحظ تكراره في مناطق أخرى من سوريا وقد يكون بين النظام وبين جماعات مسلحة غير تلك التي أخرجت من حمص.
في المقلب الآخر، تزداد في الآونة الأخيرة حمى المعارك بين فصيلي تنظيم القاعدة: داعش والنصرة، وهما اللذان جاءا إلى سوريا بهدف إسقاط النظام وإقامة الدولة الإسلامية على أراضيها، فمارستا بشاعات وغرائز لا يستطيع حتى الحيوان ممارستها، بدءاً من عمليات الاغتصاب التي تمت بحق النساء السوريات بمَنْ فيهم الأطفال وانتهاءً بعمليات القتل البشعة وانتزاع الأحشاء من الضحايا، فضلاً عن عمليات السحل. وإذا ما أضيفت عمليات تخريب أماكن العبادة كما حصل لبلدة معلولة وكنائسها، فعن أي تحرير يتحدث هؤلاء؟
وحيث دخل الجيش الحر على خط الاقتتال بين الجماعات المسلحة، فقد فقدت هذه التنظيمات مصداقيتها ولم تعد موقع ثقة من أغلب السوريين الذين يكتوون بنار الحرب الأهلية قتلاً وتدميراً وتهجيراً، ولا يبدو أن هناك إمكانية لتدوير زوايا الخلافات وتحويل بعضها إلى مواقع التقاء، خصوصاً بعد أن دخل زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري على الخط ولم يتم الإنصات له، بل إن زعيم داعش استهزأ به وحقّر خطابه ولم يعد يعترف به زعيماً له. وفي مواجهة ذلك يحقق النظام خطوات ملموسة فيما يدعيه بـ «لجان المصالحات» ويتمكن من تدوير زوايا الخلاف بحثاً عن نقاط التقاء يستثمرها في حملة الانتخابات الرئاسية المقبلة.
هل الوضع الإقليمي والدولي مختلف في تدوير زوايا الأزمات؟
لا يبدو كذلك. فالمحادثات النهائية للملف النووي الإيراني انطلقت قبل أيام فيما يعرف بمفاوضات 5 1 في ظل أجواء هادئة بعض الشيء رغم الخطاب المتشدد الصادر عن بعض المسؤولين الإيرانيين الذين احتفلوا قبل أيام بتدشين النسخة الإيرانية من الطائرة الأمريكية دون طيار التي أنزلتها إيران معافاة وهي تطير في الأجواء الإيرانية. أراد الإيرانيون من خلال خطابهم الاحتفالي توجيه رسائل مزدوجة للداخل والخارج مفادها أنها ستدخل المفاوضات النهائية بقوة، لكنها لم تخرج عن السياق العام المتعارف عليه دولياً، وبالتالي لم تجد الدول الغربية ما ترد به على طهران وهي تتهيأ لجولة «عويصة» من المفاوضات.
هذا ينعكس على الأجواء العامة في المنطقة التي تشهد ترطيباً في مستواها الإقليمي على الأقل، حيث تتفاقم الأزمات في المنطقة وتنهش في التنمية المستدامة وتعطل أي عملية تطور تذكر، ما يفرض تحركاً عقلانياً يتمتع بالبرغماتية العالية التي من شأنها تدوير زوايا الخلافات التي تعاني منها المنطقة في أكثر من دولة وتحولها إلى نقاط تقاطع ترتكز على مصلحة المنطقة في الاستقرار السياسي المبني على أسس واضحة تعتمد على الداخل الذي يحتاج هو الآخر إلى محاكاة عصرية تستند إلى القضايا الكبرى في موضوع التنمية الشاملة على كل المستويات بما فيها الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتشييد الدولة المدنية الحديثة التي تحترم حقوق الإنسان وتمارس المواطنة المتساوية.
ربما تشهد المنطقة بعض الانفراجات وترطيب الأجواء بعد التصريحات الإيجابية لمسؤولين رئيسيين في المنطقة بثتها وسائل الإعلام في الأيام القليلة الماضية. هذه الأجواء سوف تنعكس إيجاباً على الوضع في أكثر من بلد في الإقليم. وهي ضرورية لجهة السعي لإحداث اختراق جدي في العلاقات المشدودة بين بعض دول المنطقة، ما كان يترجم سلباً على الأوضاع الداخلية في عديد من بلدان المنطقة. وقد تأكد أن الأزمات الكبرى بحاجة إلى تعاون وتنسيق وقدرة كبيرة على فهم المعطيات والوقائع لكي تتحلحل نحو الحل، إذ إن دولة واحدة لا تستطيع وحدها تحريك المياه الراكدة تحت الأزمات المستفحلة التي استمرت عقوداً. فليس هناك دولة تخلو من منغصات الأزمات المعيشية على الأقل، فضلاً عن مسألة احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية التي وثقها القانون الدولي وأصبحت مسلمات للدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
قد تشهد المنطقة حراكاً سياسياً إذا استثمرت الأجواء الإيجابية بين أقطاب رئيسيين في المنطقة، ولعل العلاقات السعودية الإيرانية على رأس الأولويات اليوم، حيث إن من شأن الدفع بها أن يبرد ساحات مأزومة منذ أكثر من ثلاث سنوات، خصوصاً إذا تم تدوير زوايا الخلافات من منطلق المصالح العليا لمنطقة الخليج. ويبدو أن هذا هو التحدي القادم لكل الإقليم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٩٤) صفحة (١٣) بتاريخ (١٦-٠٥-٢٠١٤)