فتاة في الريف

669603.jpg
طباعة التعليقات

يحيى أحمد الشهري

سألت نفسي يوماً هل سأموت وأنا أحدق في عينيه؟
أنا التي ألبس الريف وآكل الصمت.. بجهد كبير يحررني الضجيج عندما أضع رأسي على وسادتي، لم تعجبني هذه الحياة فالملل يرسم كل التفاصيل من حركة الأغنام المرتبكة بين البيوت، ومن أحاديث الفلاحين الملفوفة برداء قديم.
وأعود لأتساءل هل سأموت حقا وأنا أتساءل وأنتظر هنا..
من شباك غرفتي أرى مئذنة تتحدث، بصوت العجوز الذي أحدق في عينيه كل يوم، يأتي صوته رخيماً بارداً. ثم يخرج من المسجد بطيئاً في مشيته كأنه قدم من سفر شاق، يرد السلام ببرود حتى يختفي عن ناظري.
كنت أظنه لن يقولها أبداً «رجل يطلبك لزواج» وكأنه فتح نافذة دخلت منها رياح لطيفة تحمل الورد وتكسر مللا كالزجاج..
وأخيراً بدا أن هناك حياة خلف تلك العينين اليابستين! تألمت حين قال «لن أوافق على مثل هذا الرجل».
اتسع الصمت بيننا؛ غطى السماء وكون ملامح القرية.. صار الصمت مئذنة ومجموعة من الأغنام. لم يطل حوار معه. كثيراً ما أتأمله، يبدو كملل بلا نهاية، وأكاد أجزم أنه لم يكن في يوم من الأيام طفلاً..
من النافذة يتسلق نظري الفضولي بيوت الفلاحين، يفتش عن بقايا الليل وما فعله النهار. فالبيوت تبدو منهارة والمئذنة متصدعة حيث إن الهلال لم يعد يشير إلى القبلة وخلف هذا كله يمتد الوادي في خط رمادي هزيل..
هناك مجموعة مستثارة بجانب المسجد تتطاير منهم الكلمات:
- الرجل
- … وتسلق الصخور… الوادي
- سأذهب إليه
لم أفهم شيئاً..
لم يمهلني هجم عليّ بقسوة، أمسكني من شعري:
- هل تعرفينه من قبل؟!
النار تتوقد في عينيه، بدا قريبا مني، أنفاسه تحاصرني ووجهه يشبه الأفعى.
شد شعري بقوة أكبر.. الخوف راح ينسج شباكه. فمي فقط كان يتساءل، قلبي وجسدي كسمكة خرجت من الماء.
- من هو..
- من؟
غبت في سيل من الشتائم والضربات. حين توقف أحسست بأن قلبي ينزف دما، وعلى وجهي لعابه.
أفقت وأنا أترنح بنصف عين مفتوحة في الوادي الرمادي.غرفتي من هنا تبدو غريبة.
- يريد الانتحار يا شيخ وقد سبق أن طلبنا ابنتك للزواج. وأنت رفضت ماذا أفعل الآن ولدي سيموت بسببها.
غطى عينيه بطرف غترته.
الجو متوتر والعيون تتلاقى جارحة شرسة.
رفعت التنورة ظهر الجينز الذي يكرهه الجميع، وبكل إصرار أفلت من يد العجوز وصعدت الصخور، تخدشت يداي والصورة أمامي تهتز وتترنح في سكر. صعدت بعين واحدة وجسد حزين.
في القمة. رجل بلا وجه بلا يدين. ينظر حيث القرية غروب والغرف الصامتة تعيش وتتكاثر فيها. العطش يأكل شفتي وروحي تشدني نحو القاع. حفرة جافة كفم بلا أسنان.
الصياد العجوز يلحقني يصعد الصخور وينادي.
- يا (…).. يا (…)!
(…) شعرت بالدفء.
(…) حتى اقترب الصياد العجوز منا..
فأمسكت بالجسد الغريب وهوينا معا في صمت..
غبت وأنا أحدق في عينيه.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٩٥) صفحة (٢٠) بتاريخ (١٧-٠٥-٢٠١٤)