تبقى الخدمات التي تُقدم للإنسان دائماً هي الشغل الشاغل له؛ لأنها هي التي تمس حياته مباشرة، فكل واحد منا يريد أن تكون الخدمات التي تُقدم له هي الأحسن والأفضل، فكلما كانت خدمات الدولة متطورة ومتحسنة تحسناً كبيراً من خلال أجهزتها الحكومية أو مؤسساتها الأخرى، زاد مقياس الرضا لدى المواطن ومن ثم يعود ذلك بالخير ويكون عاملاً مهماً في إشاعة الاستقرار والسلم الاجتماعي بين أفراد المجتمع وترابط نسيجه.
بعد التطور التقني الهائل في السنوات الماضية صار لزاماً على جميع أجهزة الدولة «أتمتة» الخدمات التي تُقدم للمواطن، والمقصود بأتمتة الخدمات، أي: التحول إلى العمل الإلكتروني في جميع الخدمات التي تُقدم؛ لأن العمل بالطريقة الإلكترونية صار هو السائد في كثير من الدول المتقدمة، وقد لجأت بعض مؤسسات الوطن إلى الأخذ بهذه الطريقة، وتحديداً في بعض أجهزة الدولة فقط وليس جميعها؛ حيث أدى استخدام التقنية في تلك المؤسسات إلى بعث حالة من الارتياح والرضا لدى أغلب المستفيدين من تلك الخدمات التي تُقدم لهم إلكترونياً، وكانت وزارة الداخلية هي أول من بدأت بذلك وخصوصاً خدمات إصدار أو تجديد بطاقات الهوية الوطنية التي كانت من قبل تُقدم بالطريقة التقليدية الروتينية، فأصبحت المواعيد عن طريق الإنترنت، وإنهاء المعاملات صار في وقت قياسي من خلال التعامل الراقي جداًً من الموظفين، وهذا العمل امتد إلى إدارة الجوازات التي بادرت هي الأخرى إلى اعتماد برنامج «أبشر» الذي أسعد الجميع وأراحهم من همِّ مراجعة مراكز الجوازات التي تكتظ عادة بالزحام، فصار في مقدور أي شخص إجراء معظم عمليات الجوازات التي كانت تستغرق وقتاً طويلاً مثل إصدار جواز السفر وإصدار وتجديد خدمات مكفوليه وإصدار تأشيرات الخروج والعودة أو الخروج النهائي لمكفوليه، والإذن لأفراد أسرته بالسفر عن طريق برنامج «أبشر»، وهذا العمل أراح كثيرين من العناء والتعب من المراجعات والانتظار، كما أن وزارة العدل أيضاً كان لها دور السبق في «أتمتة» المراجعات والمواعيد في كتابة العدل لإفراغ صكوك الأراضي من بيع وشراء، وأصبحت العملية منظمة تنظيماً رائعاً ومرضياً للجميع، حيث غابت عنا تلك المناظر غير الحضارية من ازدحامات المستفيدين عند تلك الجهات، كما أن وزارة العمل انتهت تقريباً من تحويل جميع خدماتها إلى العمل الإلكتروني، حيث صار تقديم الطلبات على التأشيرات أو أي خدمة عن طريق الخدمة الإلكترونية.
وعلى الرغم من كل هذه التطورات التي حصلت إلا أننا مازلنا نطمح إلى أن يَطال التطوير جميع الخدمات لكل أجهزة الدولة التي مازالت تحتاج إلى تطوير خدماتها نحو الأفضل لتخدم مستفيديها، فمؤسسة النقد مثلاً يجب عليها أن تكون من السابقين في استخدام التقنية في جميع المنشآت التجارية صغيرة كانت أو كبيرة، على أن يكون ذلك بالتنسيق مع وزارة التجارة؛ لأن العمل بالشبكة السعودية في جميع المحلات التجارية وخصوصاً الصغيرة منها، مثل: محطات الوقود، والمخابز، والبقالات وغيرها عند الشراء؛ سوف يخدم الجميع وتختفي العملة النقدية عن الأنظار، وتسلم أيادينا من ملامسة تلك النقود الورقية التي تنتقل في اليوم الواحد إلى عديد من الأشخاص، وقد تحمل بعض الأمراض المعدية وتصيبنا بها لا قدر الله، وتتلاشى أيضاً عمليات تزوير العملات الورقية، ويصبح من الصعب قبول تلك العملات بوجود تلك الشبكات، فالأمر ليس بالصعب أو المعجزة، الأمر يحتاج فقط إلى إصدار قرار يحظر فيه على أي قطاع من قطاعات العمل ممن يقدم خدمة للآخرين السماح له بفتح منشآته قبل أن تكون الشبكة السعودية تعمل لديه، وبهذا نستطيع تقديم خدمة مهمة لكل فرد وفي أي وقت.
جميع الخدمات السابقة التي تم تطويرها تقنياً تصب في مصلحة المواطن وخصوصاً من هم خارج المدن الكبيرة؛ لأن تلك الخدمات الإلكترونية سوف تهيئ لهم سبل الراحة، وتزيح عن كاهلهم همَّ العناء والقدوم إلى طلب ما يحتاجونه من خدمات وهدر وقتهم ومالهم من أجل حجز مواعيد أو إصدار جواز أو مراجعة لإنهاء بعض المتطلبات الرئيسة لبعض المعاملات التي يحتاجونها، وقد لا تنتهي بمجرد قدومهم وإنما يحتاج الأمر إلى عدة مراجعات أخرى.
كما أن هذه الخدمات تحتاج إلى مساندة من جهات أخرى في الدولة لتُكمل تقديم الخدمات بالشكل المأمول منها، وأخص بذلك البريد السعودي الذي نطالبه بأن يعمل على إنهاء إصدار عناوين المنازل «برنامج واصل» بشكل دقيق في جميع أنحاء المملكة، وهذا العمل من أبسط الأعمال التي يمكن أن تُنفذ؛ لأنها منفذة في أغلب دول العالم وبعدة طرائق وأشكال، وهذه الخدمة إذا تم الانتهاء منها فسوف تُساعد جميع الجهات الحكومية في إيصال ما هو مطلوب منها للمواطن وفي منزله، مثل: الجوازات، والإقامات، والهوية الوطنية، ورخص القيادة وغيرها من الخدمات التي يحتاجها المواطن بشكل دائم حتى لو كلف ذلك بعض الرسوم المالية البسيطة، وسوف يساعد ذلك أيضاً في تقليل الازدحامات المرورية التي تكتظ بها شوارعنا وطرقاتنا كل يوم بسبب المراجعين الذين يتسلَّمون متطلباتهم.
خلاصة القول: إننا في حاجة إلى التطوير والتحديث في جميع أجهزتنا الحكومية وخصوصاً الأجهزة التي لها علاقة بالمواطن ولاسيماً في مثل هذه الأيام التي نحتاج فيها إلى عدم إعاقة الشركات التي تعمل لإنجاز المشاريع الجبارة في بلادنا، فعلى سبيل المثال مشروع «مترو الرياض» أصبحت مدينة الرياض بسببه ورشة عمل كبيرة وهذا العمل قد يستغرق عدة سنوات، ونظراً للظروف التي تلازم هذا العمل فقد تم إغلاق طرقات وعمل حفريات كبيرة وذهاب وإياب المعدات الثقيلة من وإلى مقر المشروع، وبسبب ذلك فإن الحلول والتحول إلى العمل الإلكتروني هو الحل الأمثل الذي سيؤدي إلى راحة أغلب المواطنين والتخفيف من العناء والتعب في مراجعات تقليدية قد لا تثمر أغلبها، والتخفيف من حدة الزحامات الشديدة بسبب المراجعات للجهات الحكومية، وكما يعلم كثير منا أن الناتج المحلي لكثير من دول العالم من أشد مهدداته هدر الوقت وهدر الموارد البشرية، ونحن إذا تمكنَّا من تحويل جميع خدمات المواطنين بالطريقة الإلكترونية؛ فإن ذلك سيسهم في زيادة الإنتاج القومي، وتوفير طاقة كبيرة كانت مهدرة للبحث عن خدماتها في كل مكان.
ختاماً نحن في حاجة إلى مشروع وطني متكامل ينقل العمل والإجراءات الخدمية والإدارية إلى نظام تفاعلي تقني شامل بين كل القطاعات الرسمية والأهلية من أجل تسهيل حياة الناس، وكذلك وقف هدر الوقت والمال الذي تسببه تلك الإجراءات المعقدة في بعض الجهات الحكومية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٠٩) صفحة (١٣) بتاريخ (٣١-٠٥-٢٠١٤)