من يتتبّع تفشي المرض الناجم عن فيروس كورونا يتذكر قصة «آه منّا نحن معشر الحمير» للكاتب التركي الساخر عزيز نيسن، إذ تحكي القصة باختصار ما تسبب له تصرفه من نسيان لغته الجميلة ليستبدلها بالنهيق، والقصة تقول إن «حماراً هرماً كان في أزمنة غابرة يلهو في غابة، يغنّي ويأكل من الأعشاب الغضة، وتناهت إلى منخريه رائحة ذئب قادم، وبعد أن ملأ الحمار رئتيه من الهواء، قال: لا يوجد رائحة ذئب، ورغم ازدياد رائحة الذئب إلا أن الحمار يحاول إقناع نفسه بأن القادم ليس ذئباً، وعندما حدّق عالياً رأى الذئب مندفعاً من سفح الجبل كالرمح نحو الغابة.. فقال: خُيّل لي، كنت فقط أحلم، وهكذا طمأن نفسه، وبعد دقائق رأى عيني الذئب تشعان وتطلقان سهاماً نارية، فقال :ليكن غزالاً أو حماراً أي شيء، وما أن ضرب الذئب بمخلبه في مؤخرته قال: لا أحب المزح، تلك مداعبة ثقيلة أشعر بها في ظهري، وتابع الذئبُ النهش بأنيابه الحادة، فنهق الحمار هاق..هاق بعدها انعقد لسانه ولم يتمكّن من الغناء، واكتفى بالنهيق، هكذا نسي لغته الجميلة».
وحين بدأ الفيروس ينهش في النفوس الآدمية، كانت وزارة الصحة تنظر إلى المرض على أنه عابر، إلا أن ضحاياه يتزايدون يوماً بعد يوم، وعدّاد كورونا يتصاعد من المتوفين أو المصابين، ولكون المرض أشغل الناس بجميع شرائحهم التفتت الوزارة إليه بوهن، وإمكانات ضئيلة، ليكون وزير الصحة السابق أحد ضحاياه بإعفائه من منصبه إلا أن ذلك لم يُقلل من خطورة المرض، فكانت جدة والرياض سبّاقتين في احتضان الفيروس الذي لا يعرف حدوداً جغرافية أو مناطقية، فيمكن أن ينتشر في أي بقعة من العالم، وكانت الإبل المتهم الأول وتم التحذير في بداية الأمر بشكل استحيائي، وراح محبو «البعارين» يدافعون عن لحمها الشهي وعن لبنها السائغ بالتحدي والإطراء، وحتى لا يكون الجمل أو الناقة المتهمين المباشرين دخلت الخفافيش التي تعيش في بئر الغامدي بقرية النفيع بمحافظة بيشة الأضواء العالمية حيث تقاطرت الفرق الطبية إليها، بعد اكتشاف الطبيب المصري إصابة صاحبها بفيروس جديد، عُرف فيما بعد بكورونا.
ولمّا كان الجمل والخفاش سببين في انتشار المرض بحسب ما أكده مسؤولو وزارة الصحة فإن الكيفية للتخلص منهما مستحيلة لسببين أولاً: لا يمكن القبض على الطائر الليلي فهو يعرف كيف يتحرك خصوصاً في الظلمة الحالكة، أما الجمل فهو صديق حميم للكثيرين من الرعاة وارتفع شأنه حتى وصل ثمنه إلى ملايين الريالات ولم يكن سعره من أجل «براطمه» أو قامته الفارعة بل لأسباب لا يعرفها إلا مروجو هذه الدعاية خصوصاً أصحاب الدراهم.
بقيت وزارة الصحة في وضع حائر كيف تتخلص من هذا الفيروس، كوّنت اللجان، واستقبلت الفرق الطبية، وما زال عدّاد المرض يتصاعد وقلوب الناس تخفق سيما ونحن على أبواب الصيف وكذلك اقتراب موسم الحج، وما الذي تود أن تفعله الوزارة وقد غرز الذئب أنيابه في أحشاء الحمار.
وزير الصحة السابق يقول: إن ظهور حالات كورونا في جدة لا يمثل وباء، ويضيف إن فيروس كورونا لا يزال غامضاً ولا توجد معلومات مؤكدة عن طرق انتقاله (اطمئنوا يا أصحاب الإبل).
أما نائب وزير الصحة السعودي زياد ميمش فصرح: بأن المعلومات ما زالت محدودة عن أمراض فيروسية أخرى معدية مثل الإيبولا الفتاك الذي ينتشر في إفريقيا، ولا أدري لماذا ذهب بعيداً ؟ والمرض يعيث في البلاد طولاً وعرضاً، فيما يقول كيجي فوكود رئيس وحدة الأمن الصحي في منظمة الصحة العالمية: إن ما تحقق في سبيل محاصرة المرض بطيء، وتوجد ثغرات حرجة في المعلومات، كتحديد مصدر المرض، ومن يصاب به، وكيفية الإصابة، ليشارك الأطباء الشعبيون في إشاعة كبح جماح الفيروس عن طريق إشعال البخور لينفي الدكتور هايل العبدلي استشاري الأمراض المعدية بمستشفى الملك فيصل التخصصي ذلك وحذّر من حرق الأخشاب العطرية مما تؤدي إلى تصاعد المواد السامة – بحسب قوله – وتؤثر سلباً على الجهاز التنفسي، أما وزير الزراعة الدكتور فهد بالغنيم فيقول: إن مخاط الإبل مصدر المرض، فيما يقول وزير الصحة المكلف: إن تطوير اللقاح يحتاج وقتاً ونحن في المرحلة الأولى « الذئب ما زال في الجبل» الدكتور عبدالله العسيري وكيل وزارة الصحة المساعد للصحة الوقائية يقول إن فيروس كورونا لا ينتقل بين البشر بسهولة، «الذئب ما هو إلا خيال» .
ولمّا أصبح المرض يُمثّل خطورة بالغة، وأن الفيروس اللعين يُجهض الأجهزة الأساسية في جسد الإنسان، بدءاً بالكلى والكبد والرئة وغيرها، فإن المشكلة لا يتوقف اجتثاثها عبى الوعي فقط من خلال المحاضرات والنشرات، بل بالمسارعة الفعلية في إيجاد مضاد أو مصل للقضاء على الفيروس وإفشال خطورته الرهيبة المتمثلة في الفتك بأرواح الناس.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩١١) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٢-٠٦-٢٠١٤)