«الحرية» مصطلح «مطّاطي»، كلٌ يكيفه على هواه، ويضع له السقف الذي يريد، ويستخدم، فيه، التعبير الذي يهوى، بل ويوظفه، بعضهم، بالشكل الذي يخدم مآربه، ويحقق غاياته.
هل التعدّي على حرمة الأديان؟ وهل لوك أعراض الناس؟ وهل الشتم؟ وهل الغيبة؟ هل هذه الأمور من «الحرية» في شيء؟ لا أظن ذلك. «الحرية» إذا وصلت إلى «إلحاق» الضرر بالغير، لا تُعد «حرية»، بل فعل «مشين»، يُحاسَب فاعله بموجب القوانين الرسمية.
مع الأسف الشديد، مع توفر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الغالبية العظمى من الناس تمارس ما تدّعي أنه «حرية» بيسر وسهولة، بسبب ما وفرته تلك الوسائل من مساحة كافية لتمارس فيها ما تسميه «حرية التعبير».
يعتري العقل الجمعي، لدينا، داء عضال، شل «آلة التفكير» لدى كثير من الناس، تأتي جملة، من القول، إلى وسيلة أحدهم، يمررها إلى كل من في قائمته الاتصالية، قد تكون، مثلاً، إساءة لشخص ما، فيُصبح شريكاً في الإساءة. أَمَا كان ينبغي أن يعرضها على عقله، إن كان له عقل سليم، قبل أن يمررها إلى غيره؟
ومما يأتي ضمن «التعبير عن الحرية»، أنه أصبح، في مجتمعنا، أمور «تشدُّدية»، لا يمكن لعاقل أن يتخيلها، ومن مظاهر هذا «التشدد»، أو ما يسميه بعضهم «التعبير عن الحرية»، التعصب لنادٍ رياضي، التعصب لشيخ، التعصب لمذهب، التعصب لقبيلة، التعصب لمنطقة، حتى يصل، ببعضهم، هذا التعصب إلى مرحلة «التعصب الأعمى». تعصب لمن تريد، وأحبب من تشاء، لكن، لا يصل، بك، الأمر إلى إلغاء الآخر، إن شعرت بمثل هذا الشعور، فلا شك، أن داء عضالاً قد أصابك في فكرك، وقد وجب عليك علاجه، عاجلاً.
المشكلة، مشكلة فكر، فإن أردنا التعايش السلمي فعلينا، أولاً، إصلاح فكرنا المعتل، والتعايش السلمي، هو، أن يقف الجميع على المُشتَرَكات، ويبتعد الجميع عن مواطن الفُرقَة، ومسائل الاختلاف.
فـ «حرية» التعبير، هي، أن تقول رأيك بعقلانية، وفق حدودك التي تضعها، أنت، لنفسك، دون الوصول إلى الإساءة إلى الآخرين، حتى لا تصبح شتّاماً، سبّاباً!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩١٢) صفحة (١٤) بتاريخ (٠٣-٠٦-٢٠١٤)