جعفر حسن

- نفس درامي حالك يذهب نحو عدمية الوجود الإنساني عبر تساؤلات مشككة
– استخدم عمران تقنية الإعادة عبر استرجاع ذاكرة البطل لتوسع معرفة الحدث

تبدو رواية «ظلمة يائيل» للروائي محمد الغربي عمران، من حيث التشكيل البنيوي قائمة على ثلاثة محاور متداخلة على طول النص الروائي بحيث يصعب فصلها إلا من أجل الدرس النقدي. وعلى الرغم من أن هذا التصنيف الوارد في العنوان باعتباره ثلاثية ما حاكمة لبنية النص، فإنه ليس تصنيفها نهائياً ومسائله قابلة للجدل حولها، إلا أنه ما تبادر إلى ذهني وأنا أدخل رحلة القراءة في هذه الرواية.

جعفر حسن

جعفر حسن

سأبدأ في هذا الجزء من القراءة بالحديث عن التقنية، وفي الجزء الآخر سأتطرق إلى المعرفة والهوية.

التقنية

سيتبادر إلى الذهن مسألة التقنية في تطبيق العلوم البحتة، ولكننا هنا نحاول أن ننحاز قليلاً إلى أدبية الأدب باعتبارها مجموعة المسائل التي يقوم بها الروائي لكي يحقق أهداف السرد المتنوعة، ولعل أكثر ما يشد انتباهنا هو أن الرواية جاءت في نفس درامي حالك يذهب نحو عدمية الوجود الإنساني عبر تساؤلات ملحة مشككة لا تجد إجابة مريحة وتظل معلقة أبداً.
بينما يقوم السرد على تقنية تؤجج الحدث الدرامي من خلال ذلك التناقض الذي ينشأ من موقفين أحدهما يستجر الفرح والآخر يدخل الكائن «البطل» في الرواية «جوذر» إلى مواقف مظلمة تستجر مزيداً من الآلام التي تقوم نتيجة تدخل قوى لا طاقة للبطل في السيطرة عليها، إن توالي الحدث المفرح والحدث الموئسي في الرواية هو الذي يبني الموقف الدرامي ويعمقه عبر استخدام باهر للغة وصفية تصبغ كل الرواية من الحركة التي تقوم بها عين البطل المتأمل إلى وصف طبوغرافية المكان.
بينما يذهب الهامش بنفس النفس ليروي قصة أخرى لكيفية عثور الراوي الأول على مذكرات «جوذر» في دار الكتب باليمن، وليكتشف بطل قصة الهامش حجم الدمار وسرقة المخطوطات التي تسرب لبيعها في الخارج، ثم القبض عليه وزجه في السجن إلى حين، ويمكننا تلمس ذلك التماهي النسبي بين القصة القصيرة التي يرويها الهامش وما حدث لبطلها مع ما حدث لبطل الرواية، وبالتالي تخلق مسربين وأحدهما في المتن والآخر في الهامش، ولكن المتن يقوم على الهامش ليحمل رسالة مفادها أن الهامش يظل في المتن حتى لو حاول المتن التخلص من الهامش، بمعنى ذلك الإسقاط الذي يقوم من بطن التاريخ إلى الحاضر الذي تعيشه البلاد العربية في الوقت الراهن، وهي تعكس تلك المحن النابعة من ضيق أفق الهويات الضيقة التي لا تقبل حواراً ولا حتى وجوداً للآخر.
فمنذ أن يتعرف البطل «جوذر» على المعلم «صعصعة» يدله على طريق الكتابة التي كان لا يفقه منها شيئاً حتى نبوغ القراءة عنده، بعد افتتانه بالنقوش المزينة لجدران المساجد، فبات يجيد فنون الزخرفة إلى جانب الكتابة، ومنذ تلك اللحظة التي يشكل المعلم ملامح الطريق أمام «جوذر» حتى يتدخل الجند ليمزقوا «صعصعة» شر ممزق انتقاما من انتمائه المذهبي ونصرته السياسية للفاطميين، ولتذهب تلك الذكرى بـ«جوذر» في آلام إنسانية متعددة تستعاد كلما جاءت لحظة انفراج ما لتعيد قيام الحدث الدرامي، باعتبار الإعادة تقنية تتلاعب بالزمن وتقوم من خلال استرجاع ذاكرة البطل لتوسع في معرفة الحدث وتنمو العلاقة بين البطل وما يستعيده، هكذا تمت استعادة كثير من أحداث القصة عبر سلاسل السرد.
ويمكن النظر إلى استدارة العلاقة بين الفعل الدرامي ونقيضه واتضاحها من خلال إعادة تدوير شكل العلاقة بين الفرح والحزن، فحين يستطيع «جوذر» أن يقنع ابنة المعلم أن تبوح بما مرت به أثناء اختطافها وتتخلى عن الصمت في موعد مضروب لها، وقد طار له قلب البطل من أجل أن يحقق ذلك التواصل الإنساني الجميل الذي يداعب مخيلته، وهو في قمة ذلك الفرح يقبض عليه العسس ويرمى في سرداب مظلم لتتناهبه المواقف بين ما يمكن أن تفهمه ابنة المعلم «شوذب» من إخلافه لموعدها وبين ما هو فيه، الذي لا يستطيع معه الاعتذار منها.
ولعلنا ونحن نذهب في مسألة النظر إلى التقنية، يمكننا لمس ملامح المرأة «يائيل» التي تزوجت من مسلم بقوة الحب، فرفضها ليس فقط أهلها وإنما عشيرتها التي تتمثل في طائفة اليهود عبر حاخام كنيسها الذي أدانها ولعنها إلى يوم الدين، بينما رفضها أهل زوجها بزواج ابنهم منها وتم طردها ولم تقبل عند عودتها لا من طائفتها ولا من طائفة زوجها، وذلك بعد أن سدت أمامها السبل باختفاء الزوج الذي قتل في معركة ما أو ببساطة تخلى عنها كما تشي الرواية.
إن هذه الحبكة تشي بالمعرفة والتناص مع رواية «حرب البسوس»، وإلى تلك المعضلة التي قامت في قصة حرب البسوس ومأساة الجليلة التي قتل أخوها زوجها حين كانت حاملا، وقتل ابنها أخاها بعد أن أدرك نسبه، فباتت مرفوضة من الطرفين القبليين لأنها أم لقاتل أخاها وأخت لقاتل زوجها. كما يمكن أن نتلمس تلك المأساة فيما يحدث اليوم من حكم صدر في السودان على امرأة مسيحية «مريم يحيى إبراهيم» ربتها أمها المسيحية التي مات عنها زوجها المسلم، التي لم تعرف دينا غير دين أمها وأهل الأم، فكيف تحاكم باعتبارها مرتدة، ويصدر عليها الحكم بإقامة الحد وهو القتل، إن تلك الثغرة ما زالت موجودة في قبول زواج المسلم بالكتابية دون أن تتحول عن دينها، إن هذا التماهي على الرغم من قيامه في أفق المتخيل السردي إنما يكشف لنا عن عذابات مثل هذه الفئة التي تحتاج إلى حلول عملية تحترم حقوق الإنسان بعامة، ولا تنجرف نحو القتل وإباحة الدم.
ويبدو أن هناك تقنية أخرى قامت لربط الشخصيات في داخل العمل وهي تقوم على مسألة اللمس وخصوصا لمس الأيدي باعتبارها تقنية تعبر عن مشاعر الشخصيات وتستبطن تلك الحالات الإنسانية من المشاعر المتبادلة، ويبدو لنا أن الحواس الخمس تتوزع على أجهزتها المختلفة في الجسد الإنساني، ولكن اللمس هو الحاسة الوحيدة التي تتوزع على كل أعضاء الجسم البشري على اعتبار أن أداته هو الجلد الذي يغلف الكائن، ومن خلال تلك الملامسة نستطيع أن نتفهم كيف تقوم العلاقة بين الشخوص أو ينفرط عقدها.

680038.jpg

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٢٠) صفحة (٢٠) بتاريخ (١١-٠٦-٢٠١٤)