العراق اليوم هو الأنموذج الصارخ لتشظي الدولة وانتعاش العصبويات والهويات الفرعية. وهذه ليست وليدة اليوم، فقد كان النظام السابق يستنهض نخوة القبائل والعشائر بعد أن قزم الدولة في الحزب الحاكم.

ثمة لازمة «إعلامية» تسير بخط موازٍ مع سيادة الديكتاتورية والحكم الشمولي، تتمثل في تسقيط الآخر والازدراء به كخطوة أولى تشتد بعدها المفردات وتقسو كلما تقلصت مساحات الحرية وهوامشها ليتدرج الإعلام في تخوين أي مختلف منطلقاً من مبدأ بوشي «نسبة إلى الرئيس الأمريكي بوش الابن» الذي أطلق مقولته الشهيرة «من لم يكن معنا فهو ضدنا» بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، لتبدأ الحروب الخارجية الأمريكية بوتيرة جديدة غير التي عرفها العالم وعلى وجه الخصوص في أفغانستان والعراق، وما تبعها من تداعيات تعيش المنطقة لحظاتها المرة.
هذه اللازمة ليست بدعة، فالماكينة الإعلامية كانت تترجم دوما الحالة العامة في أي بلد. فإذا كان قمعيا شموليا، فواجهته الإعلامية كذلك، بل تخرج عناصر إعلامية لتزايد في كثير من الحالات، إما خوفاً وهلعاً، أو تلبساً بالموقف السائد بحثاً عن مكان تحت الشمس وفي ظلال الشمولية. حدث ذلك مع ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية والاتحاد السوفييتي في حقبة ستالين. كان وزير الإعلام إبان الحرب العالمية الثانية جوبلز يفبرك الأخبار ويقذف بها إلى آلة الإعلام لتسوقها على الألمان والعالم. وبين ثنايا الفبركة تتم عملية الدعاية للنازية لتعم ألمانيا التي كان زعيمها هتلر يحضر لغزو النمسا تحت شعار «إعادة الفرع إلى الأصل» باعتباره كان مولودا في قرية حدودية بين ألمانيا والنمسا وكان يحمل الجواز النمساوي، لكنه كان يعلن بدء الحرب الكونية، فبعد اجتياح النمسا توجه إلى بولندا لتكر السبحة، بينما كان إعلامه يمجد الجنون الذي وصل إليه هتلر وطاقمه الحاكم، فسقط من الألمان مئات الآلاف فيما كان جوبلز يروج للفكر النازي الشمولي وشطب الآخر وتخوينه.
كان هتلر أنموذجاً للفكر القومي النازي الذي رأى أن العرق الآري هو الأعلى بين البشر وما دونه يستحق الموت دون محاكمة، فقط لأن عرقه غير ذلك. فعقلية العرق الآري قادت إلى قتل ملايين البشر في ألمانيا والاتحاد السوفييتي ودول أوروبا، ودمرت اقتصاديات كل البلدان التي غزاها هتلر بجيوشه الجرارة وجهاز مخابراته الذي ورثته ألمانيا الشرقية عنه فكانت الأكثر دقة والأكثر حصولا على المعلومات في المعسكر الاشتراكي بعد روسيا في حقبة الحرب الباردة التي كان عنوانها الكبير جدار برلين.
وفي طاحونة الحروب والأزمات، تسهل الاتهامات للفكر المغاير حتى وإن كان أكثر انتماءً لوطنه وأكثر التصاقا بالأرض التي ترعرع فيها وكبر. فماذا يفعل الديكتاتور؟ أول خطوة يقوم بها الجهاز الإداري والإعلامي للفكر الشمولي الإقدام على عمليات تخريب كبرى للمفاهيم وللمعايير والمقاييس وإلصاق التهم التي يعاني منها نظامه بالمعارضين لفكره الشمولي، يبدأ بتجريدهم من الولاء للوطن ولا ينتهي بتخوينهم وتعليقهم على أحبال المشانق. حصل هذا في عديد من البلدان العربية، حيث تعشعش البيروقراطية وسطوة الرأي الواحد وتغيير المفاهيم وخلط المعايير والمقاييس وتقديم وجبة دسمة للجمهور، لكنها وجبة يشكل فيها الكذب والخداع أغلب مكوناتها. وإذا فشل نظام في إقناع الجمهور بفكره الجنوني، يتحول إلى تحريك الغرائز الحيوانية والنفخ فيها بطرق شتى منها إشعال الفتن الطائفية والمذهبية والقبلية لتأسيس حقبة جديدة من العصبويات الفرعية التي لاعلاقة لها بالانتماء الوطني العام، ما يؤدي إلى ضعضعة البنية المجتمعية وبدء النخر في الوحدة الوطنية الداخلية تنفيذاً للشعار الاستعماري الشهير «فرق تسد». ربما نلاحظ هذه الأيام تداعيات العصبوية بتفرعاتها في العراق، حيث فاجأ تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، والمعروف باسم «داعش».. فاجأ النخبة السياسية الحاكمة بكل تلاوينها العرقية والطائفية واستولى على قرابة نصف مساحة العراق وتمدد بطريقة أدهشت الجميع بعد أن تخلى الجيش العراقي هناك عن القيام بمهامه، بينما كان محافظ مدينة الموصل التي سيطر عليها الداعشيون في زمن قياسي، يمارس لعبة كسر العظم مع المركز في بغداد، حيث الفرز الطائفي والمذهبي على أشده، وحيث إقليم كردستان يتحين الفرصة لمزيد من الاستقلالية وإعلان الدولة الخاصة في ظل ضعف الدولة المركزية والفوضى العارمة فيها واستشراء الفساد الإداري والمالي الذي يعد بعشرات المليارات في دولة تعاني من انقطاع التيار الكهربائي وشح المياه، للدرجة التي وصف رئيس وزرائها السيد نوري المالكي أن ما جرى في محافظة نينوى هو مؤامرة!!.
ربما العراق اليوم هو الأنموذج الصارخ لتشظي الدولة وانتعاش العصبويات والهويات الفرعية. وهذه ليست وليدة اليوم، فقد كان النظام السابق يستنهض نخوة القبائل والعشائر بعد أن قزم الدولة في الحزب الحاكم ثم في العائلة الحاكمة، ما قاد إلى تقويض مفهوم الانتماء الوطني بسيطرة فئة قليلة على مقاليد الحكم، بينما الأكثرية الساحقة من المواطنين يعانون من التهميش ومن الفقر والبطالة والمرض. وحين تشتد الأزمات السياسية والاقتصادية والمعيشية، يندفع النظام إلى الوصفات الجاهزة لتسقيط معارضيه وتبرير قمعهم. هنا يكون الوقت قد تأخر على معالجة أصل الأزمة. فما كان يحتاج إلى علاجات بسيطة أصبح بحاجة إلى عمليات جراحية كبرى، وهذا يحتاج بدوره إلى تعديل اعوجاج العود بدلا من الحديث عن عدم استقامة الظل!
لقد وجدت عديد من مراكز الدراسات والبحوث ضالتها في الحالة العربية المتشظية صوب الهويات الفرعية، التي تعتبر حالة أنموذجية للتمحيص والتحليل والمناقشة والوصول إلى مقترحات تخرج الأزمات من عنق الزجاجة. أزمات لم تعد تحوم في سقف الخلاف والاختلاف إنما تجاوزت الخطوط الحمر إلى الاقتتال والاحتراب، بعد أن ادعت كل طائفة وفئة أنها «الفرقة الناجية»، وهي وحدها التي تملك الحقيقة «وصاحبة التمثيل الصحيح، والقويم، للدين يؤسس في وعيها وفي لاوعيها، إنها وحدها تحوز الحقيقة، وإن غيرها على باطل «ضال أو منحرف أو مبتدع أو ربما كافر»»، كما يقول المفكر عبدالإله بلقزيز في مقدمة كتاب «الطائفية والتسامح والعدالة الانتقالية» الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية.
خلاصة القول إن ادعاءات الانتماء الوطني أصيبت بجروح غائرة ومدمية أمام تبرير تهميش وتخوين الآخر أحياناً وتكفيره في أحيان أخرى لأسباب تتعلق بفشل القوى السائدة في تأسيس الدولة المدنية الحديثة التي تقوم على المواطنة المتساوية، لتنمو مكانها دولة الطائفة أو القبيلة أو الفئة التي لاترى في الآخر إلا عدوا ينبغي اجتثاثه.. وهنا تكمن الطامة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٢٢) صفحة (١١) بتاريخ (١٣-٠٦-٢٠١٤)